جلالة الملك عبدالله الثاني ينشر ورقته النقاشية الخامسة...اضافة 3 وأخيرة
2014/09/13 | 20:11:47
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أبرز التحديات التي نواجهها في ضوء عمليات التطوير تتمثل في المحافظة على التوازن الدقيق بين مختلف السلطات، بحيث تعمل فيما بينها بفاعلية وتبقى مستقلة في ذات الوقت. ومع أن دستورنا وتشريعاتنا تسهّل المحافظة على هذا التوازن، إلا أن التجارب الديمقراطية في مختلف دول العالم، وعلى امتداد التاريخ، أظهرت أنه من المستحيل لأي دستور أو مجموعة تشريعات التنبؤ والتحوط لمختلف الظروف مستقبلا.
وجزء من الحل لهذا التحدي يتمثل في القدرة على اتخاذ أفضل القرارات في مواقف غير محكومة بقواعد أو أنظمة مدونة، وهو ما يتعارف عليه بـ"الأعراف السياسية" التي تحكم عادات وممارسات أطراف العملية السياسية، وهي تلعب دورا مهما في كل أنظمة الحكم في العالم، خاصّة البرلمانية، وقد أشرت إلى أهميتها في الورقة النقاشية الثانية. والأعراف السياسية هي عادات وممارسات غير مدوّنة، قد لا يكون لها قوة القانون، إلا أنها شرط أساسي لعمل نظامنا السياسي بشكل فعّال وواقعي. ومن أمثلتها في ممارستنا السياسية كتاب التكليف الذي يوجهه الملك للحكومات، والذي يعد عرفاً سياسياً يُستدل من خلاله على أبرز المسؤوليات والمهام المنتظرة من الحكومة، ويشكل تنفيذها مقياسا مهماً لتقييم أداء الحكومة.
وعليه، فإنه يتوجب على كل من مجلس الأمة والحكومة وأجهزتها تطوير الأعراف القائمة وإرساء أعراف جديدة في ظل بروز تغيرات وتحديات متنامية. وفيما يلي عرض لعدد من المجالات التي يساعد تطوير أعراف حولها في تعزيز التعاون والتنسيق بين مختلف المكونات السياسية:
الآلية التشاورية لتكليف رئيس الوزراء، وذلك في ظل استمرار تطور ممارسات ديمقراطيتنا البرلمانية. بالإضافة إلى آلية إعداد رئيس الوزراء المكلف والحكومة المكلفة لبرنامج عملهم لمدة أربع سنوات، والذي يعتبر أحد أسس منح مجلس النواب الثقة للحكومة.
ومن بين المجالات أيضاً، تنظيم جلسات الأسئلة والاستجواب فيما بين مجلس الأمة والوزراء، بأسلوب يراعي مبادئ الشفافية والمساءلة وحق الحكومة في ممارسة السلطة، دون التهديد بالتلويح بحجب الثقة أو التقدم بطلب استجواب من قبل أعضاء مجلس النواب لمجرد تعارض قرارات الحكومة مع مصالح فئوية وشخصية ضيقة، بالإضافة إلى تحديد أدوار مجلس الوزراء ومجلس الأمة والجهاز الحكومي خلال مراحل التغيير الحكومي، والتي تشمل: فترة التشاور لتكليف رئيس وزراء جديد، وفترة تسيير الأعمال لحين تشكيل الحكومة، والفترة الزمنية لحين منح مجلس النواب الثقة للحكومة بناء على أعضائها وبرنامج عملها لأربع سنوات.
وفي ظل كل ما تقدّم، فلا بد من الإشارة هنا إلى أنه ما زال أمامنا الكثير من العمل لبناء ديمقراطية مكتملة العناصر، وتحقيق هدفنا النهائي المتمثل في الحكومات البرلمانية الناضجة. وآمل أن يكون ما عرضته في هذه الورقة لنموذجنا الإصلاحي ولمحطات الإنجاز التي قطعناها قد أوضح كيف يجب أن نمضي في الإصلاح ضمن مسارات متوازية ومترابطة، وأن يمنحنا الثقة والحافز لتحقيق المزيد من الإصلاحات وإنجاز محطات إصلاحية قادمة ضمن مسارنا الديمقراطي.
ولنتذكر جميعاً أن نجاحنا في الوصول إلى الهدف النهائي للإصلاح مرهون بقيام جميع أطراف العملية الإصلاحية بمسؤولياتهم وأدوارهم والارتقاء بها، وبترسيخ القيم والممارسات الديمقراطية، وتعزيز الأعراف القائمة وتطوير الضروري منها، وبتحقيق مستويات النضج السياسي الضروري لإنجاز متطلبات كل محطة إصلاحية.
ويترتب علينا في هذا المجال مسؤولية جماعية في احتضان القيم والممارسات الديمقراطية والاستمرار في تطويرها مستقبلا، من خلال تجذيرها في منظومتنا القيمية والتربوية والتشريعية عبر حملات التوعية والمناهج، وتمكين المؤسسات الوطنية المسؤولة عن صون هذه القيم والممارسات.
وأود أن أنهي هذه الورقة بالتأكيد على أن الأمن والديمقراطية والرفاه هي دعائم المستقبل، ويعتمد كل منها على الآخر، فالتحديات الراهنة تمثل واقعا استثنائيا ضاغطا، لكن الأردن ماض بثقة على مسار التنمية السياسية الذي اختطه. أما اقتصادنا الوطني، وفي ظل ما يواجهه من أعباء هائلة، فإننا بحاجة لتركيز كل الجهود لتحفيزه ودفع عجلته.
وكما كرّست المجموعة الأولى من أوراقي النقاشية للمساهمة في النقاش الوطني حول طبيعة النظام السياسي الذي يجب أن نطوره لمستقبل الأردن، فإنني سأكرس الورقة النقاشية القادمة لمناقشة الفرص المتأتية من بناء نموذج اقتصادي جديد ومستدام يسعى لتحسين مستوى معيشة أبناء وبنات الوطن، في ضوء التصور المستقبلي للاقتصاد الوطني للسنوات العشر القادمة الذي وجهت الحكومة لإعداده. وعليه، فإن الرؤية الاقتصادية والاجتماعية التي يحتاجها الأردن ستكون المحور الرئيسي للأوراق النقاشية القادمة التي أعتزم المساهمة بها قريبا في النقاشات الوطنية.
# # #
* هذه المقالة هي الورقة النقاشية الخامسة ضمن سلسلة أوراق ينشرها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لعرض رؤيته لمسيرة الإصلاح الشامل في الأردن في مختلف المجالات، ومتوافرة على المواقع الرسمية التالية:
http://kingabdullah.jo
http://rhcjo.wordpress.com/
--(بترا)
ف ق/ف ج
13/9/2014 - 04:49 م
13/9/2014 - 04:49 م
مواضيع:
المزيد من محليات
2026/03/30 | 16:00:29
2026/03/30 | 15:57:56
2026/03/30 | 15:41:00
2025/08/14 | 02:43:07
2025/08/14 | 02:05:43