"ثامن ايام الاسبوع" مسرحية جزائرية تنهض على حرفية الاداء التمثيلي
2015/05/19 | 21:55:47
عمان19أيار(بترا)-مجدي التل-نهض العرض المسرحي الجزائري "ثامن ايام الاسبوع" للمخرج زروق نكاع،والمؤلف العراقي علي عبدالنبي الزيدي، على حرفية الاداء التمثيلي واللغة البصرية.
مسرحية "ثامن ايام الاسبوع" التي اتكأت على الرمزية مع اقتراب من التجريب، وعرضت مساء امس الاثنين على المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي ضمن فعاليات مهرجان المسرح الحر العاشر، ومنذ مشاهدها الاولى من خلال الأنساق التكوينية التي جاءت منسجمة بدلالاتها وصورها الشكلية والحركية وقتامة السينوغرافيا بصريا، القت بظلالها على المشاهدين لجهة تشكيل بؤرةً للرؤية تجعل المعنى المنعكس عنها يحمل افتراضات الرؤية الإخراجية، التي لم تخل من البعد السريالي/الميتافيزيقي، وفق ما يعيشه العالم المقترح المسير بفعل قوى التسلط.
شبه تعتيم تخترقه إضاءة خضراء وزرقاء وبيضاء وصفراء خافتة، تظلل الخشبة التي احاطتها من العمق ستة اشكال تمثل جثث في اكفانها علقت على اعمدة الخشبة بانتظار ارتقائها الى السماء، فيما اخرى تموضعت في منتصف الخشبة ما تلبث ان تبدأ بالحركة داخل كفنها،
في الوقت الذي يتجلى "الغروتسك" بدخول شخصية مشوهة الشكل بوجه متآكل ومنحنية الظهر وثياب بالية تجر نفسها بتثاقل وقد طوقتها حقيبة واجراس،وخروج شخصية الدفان او الحانوتي الذي أدائها باقتدار وصنع لها خصوصيتها الفنان محمد لحواس، من خلف كتلة بنية اللون تموضعت على يمين الخشبة تمثل تلة ترابية تراكم بفعل حفريات، وثانية اصغر حجما تموضعت في اقسى يسار الخشبة، فيما تصاحب ذلك مؤثرات موسيقية بإيقاع متصاعد ليفصح المشهد الكلي عبر مدخلات اللغة البصرية عن تأسيس لأجواء مقبرة.
ويتحدث العرض المسرحي ،"ثامن ايام الاسبوع" في بنائه الخارجي عن جدلية الحياة والموت، وجثة لشخصية رجل متوفى حديثا تنتظر الدفن وتسعى للخروج والعودة الى الحياة وهي تعاني العطش ولا تنفك عن طلب الماء في الوقت الذي تصر على انها حية، فيما الدفان/الحانوتي يصر على انه ميت مثل كل الموتى ويستوجب الدفن ولا مجال لفراره من هذا المآل ويستعين بتلك الشخصية المشوهة كمساعد له، لإيقاع الرعب وفرض رأيه، فيما في بنائه العميق الذي يحمل موقفا انسانيا،ويعبر عن موقف السلطة المتمثل بشخصية الدفان التبريرية والانتهازية المنمقة والمتغطرسة وما تمارسه على الشعب(شخصية المتوفي) من قمع وتسلط ودفن للأحلام والامنيات.
النص المنطوق جاء محكما وباللغة الفصحى ومعبرا عن سياقات العرض ومحمولاته الضمنية التي غالبا ما تصدى لها الفنان لحواس من خلال شخصية الدفان وخصوصا قدرته على التمكن بمخارج الحروف والتنوع بطبقات الصوت بحسب مقتضيات المشاهد علاوة على مخارج الحروف السليمة وبعض الاصوات التي كان يخرجها ليحيل بها تلك الشخصية على قتامتها، الى حالة طريفة، بتوظيفه لرشاقته وقدراته الحركية من جهة وموهبته الكوميدية من جهة، يعكس من خلالها اللامبالاة القاسية بأسلوب مقبول لدى المتلقي لجهة كسر حدة وقساوة المشهد الذي قد يوصل إحساس الألم الإنساني بإيقاع متصاعد وخصوصا مشهد قطع اصبع شخصية المتوفى والدماء المسالة.
وتجلى النص في منطوقة المرمز بعبارات "دعوا هذه الحياة الحقيرة لنا نحن الحقراء" و"حدثني احد الكلاب بان توزيع الجثث يتم بطريقة غير عادلة" و"في حياتي كلها
لم ادفن فأرا واحدا حيا"، وعليك ان تخلع ملابسك وحدك وتضع هذا الكفن، الا يوجد اعظم من هذه الحرية"، علاوة على المقاربة بين الدود والكلاب وما تحمله من اسقاطات،
فيما حمل النص غير المنطوق بدلالات الاشارة واصوات الشخصيات مضامين مكملة للمعنى ومشاهد العرض.
الاداء التمثيلي جاء مميزا ومتماسكا وخصوصا لجهة الفنان لحواس الذي اظهر براعة في نسج شخصية مميزة مستندا على موهبته الكوميدية وقدراته الحركية الرشيقة، بالإضافة الى شخصية مساعد الدفان(امين دحماني) الذي وفق في تجسيد تلك الشخصية التي تشكلت من اجزاء بشرية مختلفة لتضفي بعدا غرائبيا كنموذج من ظاهرة الدراما
"الاموات الاحياء" التي تجلت في السينما الهوليودية اخيرا، فيما وفق عبدالرحمن بن جازية الذي ادى دور الرجل المتوفى من تجسيد حالة الذهول التي تتملكه من جراء ما يواجه من مصير.
السينوغرافيا بمختلف عناصرها أدت دورا رئيسا لجهة المضامين التي حملتها، من إضاءة متغيرة ومتحركة، ومكياج متقن على مساعد الدفان وآثار التعذيب التي تكشف عنها على جسد (المتوفى) حال خلعه صاغرا ملابسه البنية التي كانت اقرب الى ملابس المحكومين، والاكسسوارات والديكور والدماء والاستفراغ والمؤثرات الصوتية، والموسيقا التي تكاملت مع سياقات المشاهد بتوفير فضاء مفعم بالرعب حينا واثارة المشاعر الانسانية حينا آخر، علاوة على الاداء الحركي الذي ادته شخصيتا العرض الرئيستان في المشاهد الاخيرة وكان بإمكان المخرج ان ينهي فيها، والاداء الحركي السابق له لشخصيتين اضافيتين(فتاة وشاب) عبرتا عن خروج الاموات من قبورهم كل ليلة
ومسامرتهم للدفان والرقص معه الا ان اجمل المشاهد تلك التي ختم فيها العرض واستسلم (المتوفى) لمصيره بالدفن وبعد قطع اصبعه من قبل الدفان ومساعده طمعا بخاتمه
الذي له مكانة، هو ارتقاء جثة بالكفن الابيض في ذات الوقت الذي يقف الدفان على راس تلك التلة متفحصا الخاتم الى الاعلى في بقعة اضاءة بيضاء سلطت عليها فيما شبه التعتيم يظلل مختلف ارجاء الخشبة.
--(بترا)
م ت/م ع /م ب
19/5/2015 - 06:31 م
مواضيع:
المزيد من ثقافة وفنون
2025/08/05 | 23:10:17
2025/08/05 | 02:46:36
2025/08/03 | 02:25:23
2025/08/02 | 20:30:12
2025/08/02 | 18:45:07