الملك يتناول في حديث شامل لصحيفة الغد تطورات الأوضاع الإقليمية وقضايا الشأن المحلي .. إضافة أولى
2014/08/10 | 16:59:47
1. جلالة الملك، في ضوء التطورات الإقليمية المتسارعة، اسمح لي أن نبدأ الحديث في الشأن الإقليمي وتداعياته، ومن ثم بعض الملفات الوطنية، قضية الساعة الآن هي غزّة. العدوان الإسرائيلي استمر أكثر من شهر، طالبتم جلالتكم بوقف العدوان وحذرتم مرارا منه، في ظل السياسات الإسرائيلية الراهنة واستهداف الأطفال والنساء والمدنيين والكارثة الإنسانية التي خلّفتها إسرائيل، كيف ترى جلالتكم الدور الأردني خلال هذه الأزمة؟
جلالة الملك: شهداؤنا من أهل غزّة هم أحياء عند ربِّهم يرزقون بإذن الله تعالى، ما نعيشه من ألم ومعاناة جراء العدوان الذي يحصد أرواح الأبرياء دون تمييز ينفي مزاعم إسرائيل في تبريرها للحرب على غزة، إسرائيل بالدرجة الأولى تتحمل مسؤولية العدوان على القطاع، ويتحمل العالم بأسره مسؤولية إنهاء احتلال هو الأخير من نوعه في التاريخ المعاصر، وحرمان شعب شقيق من حقه في إقامة دولته على ترابه الوطني، واستمرار حصار ظالم، واستيطان يقوّض فرص السلام، ما حدث ويحدث في غزة هو صرخة فلسطينية للعالم أجمع بأن أوقفوا الاحتلال والدمار والقتل بحق شعب ينشد الحرية والأمن والعيش بكرامة.
هذا العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة هو رابع عدوان موسّع منذ انسحاب إسرائيل أحادي الجانب من القطاع عام 2005، وهو الأصعب والأكثر دموية من حيث عدد الضحايا، خصوصا من النساء والأطفال وكبار السن، بل هناك عائلات أبيدت بالكامل، قلبنا مع غزة وأهلها، ومصابنا وألمنا واحد، وعواطفنا جميعا مشحونة، لكن، أخت جمانة، علينا الآن أن ننظر بعقلانية لما حصل ويحصل، المدنيون الأبرياء، خاصة في غزة، هم من يدفع الثمن وهذا أمر غير مقبول إطلاقا إنسانيا وأخلاقيا، على المجتمع الدولي أن يسائل إسرائيل عمّا ترتكبه، والشعب الفلسطيني، خصوصا أهلنا في غزة، هم أصحاب الحق الأول والأخير في مراجعة ما يجرى والحكم عليه.
كان بإمكاننا وبكل سهولة تصدر عناوين وسائل الإعلام خلال العدوان، عبر تصريحات وشعارات شعبية، لكننا نفضل العمل بفاعلية وروية لإنهاء العدوان الإسرائيلي ورفع المعاناة وضمان استمرار خطوط المساندة إلى أهلنا في غزّة، والأردن بذل ويبذل كل الجهود، وقد دعم المبادرة المصرية لوقف العدوان منذ البداية، وهي المبادرة التي تبين في النهاية أنها الوحيدة الممكنة في ظل الظروف الراهنة، نستمر بإدامة الجسر الإغاثي لأهلنا في غزة، ويواصل المستشفى الميداني عمله على الأرض ونكثف الدعم المخصص له، وننسق دخول قوافل المواد الإغاثية والأدوية، ونسهم في إنقاذ الناس ومعالجة المصابين والتخفيف من معاناتهم، لقد سخرنا كل قدراتنا من أجل أهلنا في فلسطين على مدار التاريخ بالفعل وليس بالقول، وسنبقى الرئة للشعب الفلسطيني، وهذا واجبنا التاريخي والقومي تجاه أشقائنا، ففلسطين قضيتنا الأولى، ولا نقبل أن يزاود أحد على الأردن فيما يخص فلسطين، فتضحيات شهداء الجيش الأردني على ثراها معروفة للقاصي والداني.
وسنستمر في توظيف علاقات الأردن وحضوره في المنابر الدولية مثل مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان من أجل وقف نهائي للعدوان ومنع تكراره وحشد الجهود الدولية لإعمار غزة، وإيجاد الأرضية المناسبة لإعادة إطلاق مفاوضات قضايا الوضع النهائي بشكل حاسم، وبما يحقق السلام على أساس حل الدولتين وفق المرجعيات الدولية ومبادرة السلام العربية، وبما يلبي طموحات الشعب الفلسطيني، ووفاء لتضحياته ودماء شهدائه.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن العدوان على غزّة استغل الفراغ الناجم عن توقف المفاوضات حول قضايا الوضع النهائي وفق حل الدولتين، ويهدد بمزيد من العنف والتصعيد وتكراره، وهو ما حذرنا منه باستمرار، ونؤكد أن الأردن سيستمر بالتصدي للإجراءات والسياسات الإسرائيلية الأحادية في القدس ووقف الانتهاكات المستمرة لحرمة المسجد الأقصى والتعرض للمصلين، في إطار الوصاية الهاشمية.
2. ولكن جلالة الملك، هل ثمة فرصة للسلام وحل الدولتين، برأيكم، خصوصا بعدما تعثرت جهود استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين وأخفقت محاولة الإدارة الأميركية الأخيرة في التوصل لاتفاق سلام بين الطرفين، وهل بذلت الإدارة الأميركية برأيكم ما يكفي لتحقيق هذا الهدف، ومن يتحمل مسؤولية الفشل في تحقيق تقدم على هذا الصعيد، وماذا سيترتب على هذا الفشل في المستقبل؟
جلالة الملك: في ظل العدوان على غزة وما نشهده من عنف ودمار وتصاعد في أعداد الشهداء، قد نشهد ضغطاً دولياً للمضي قدماً في حل للصراع، فالنزاعات تقود إلى طاولة المفاوضات وقد تلوح فرصة لحل النزاع بشكل نهائي، والسلام هو الحل الوحيد، وإلا وجدنا أنفسنا في المستقبل نتحدث عن حرب إسرائيلية خامسة وسادسة وسابعة على غزة يكون الشعب الفلسطيني فيها هو الضحية وتبقى إسرائيل عاجزة عن تحقيق أمنها.
حل الدولتين هو السبيل الوحيد لحل النزاع وتحقيق الأمن والاستقرار للمنطقة كلها، وأمن إسرائيل لن يتحقق إلا بتوجه صادق نحو خيار السلام العادل وحل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة على خطوط الخامس من حزيران عام 1967 وفق المرجعيات الدولية ومبادرة السلام العربية وعاصمتها القدس الشرقية، وتتمتع بتواصل جغرافي حقيقي وباقتصاد قابل للنمو والازدهار، بهذا فقط ستحظى إسرائيل بالأمن والقبول في المنطقة والعالم.
أما المسؤولية، إن فشلت جهود السلام، فيتحملها المجتمع الدولي بأسره، والأهم من ذلك أن الجميع سيدفع ثمن الفشل، خاصة أجيال المستقبل التي نتحمل المسؤولية أمامها، ويجب أن نبني على الجهود والعمل البنّاء الذي بذلته الإدارة الأميركية، وتحديدا وزير خارجيتها جون كيري حيال القضية الجوهرية في المنطقة، ونأمل أن تتوفر الفرصة قريبا لاستئناف مفاوضات الوضع النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكما ذكرت سابقا، سينصب الجهد الأردني على إيجاد الأرضية المناسبة للعمل بهذا الاتجاه.
3. جلالة الملك، ننتقل إلى الشأن السوري، حيث شهدت سورية مؤخرا انتخابات رئاسية كرست سلطة بشار الأسد، لكنّ الأوضاع في تدهور مستمر، والمعارضة المعتدلة عاجزة عن أن تكون بديلا قويا، بينما يحقق المتشددون حضورا كبيرا، هل نحن أمام صراع طويل في سورية، وكيف يمكن للشعب السوري أن يتجاوز محنته؟
جلالة الملك: لا يوجد حل سريع أو فوري أو عسكري للأزمة السورية، وتنامي التطرف يزيد من تعقيد المشهد، والتطورات التي نشهدها هي وصفة للدمار ولتسريع تصدير الأزمة من سورية إلى الجوار، وأخشى أن يكون ما يحدث في سورية بداية مرحلة طويلة من القتل والخراب، وهذا ما حذرنا منه مرارا.
الحل الوحيد المتاح هو الحل السياسي بين المعارضة الوطنية المعتدلة والنظام، إن استمرار الوضع الراهن يهدد وحدة سورية ويكرس نزاعا طائفيا مفتوحا، وستكون سورية والسوريون، نظاما ومعارضة، هم أكبر الخاسرين.
استمرار الأزمة السورية دون حل جعل التحدي الأكبر الذي يواجه الإقليم والعالم هو نمو التطرف وتدفق المقاتلين من مختلف الدول، بينما تتفاقم الأزمة وتتمزق سورية وتسيل دماء الشعب السوري، إلا أن التركيز يجب أن ينصب أيضاً على إيجاد حل سياسي ينهي معاناة الشعب السوري، وعدم حصر الاهتمام العالمي بالتعامل مع التطرف والإرهاب فقط، والذي يعتمد نجاحه على إنهاء المأساة التي ولدت وتغذي هذا التطرف والإرهاب، ولذلك، يجب المضي بالمسارين بالتوازي والتساوي، وقد آن الأوان لبلورة موقف عربي ودولي موحد وداعم لإيجاد حل سياسي شامل للأزمة السورية.
لذلك، على جميع الأطراف المؤثرة على النظام والمعارضة حثهما على الجلوس إلى طاولة الحوار، للوصول إلى حل سياسي يشمل جميع أطراف المجتمع السوري ومكوناته بحيث يكون الجميع شركاء في حل الأزمة وبناء المستقبل، ويتم إطلاق عملية سياسية تتأسس على المصالحة الوطنية وتتبنى إصلاحات سياسية يرى فيها السوريون السبيل للخروج من الوضع الراهن وتتيح إعادة بناء سورية، وبغياب الحل السياسي واستمرار الجمود، فإن سورية تتسارع نحو سيناريو الدولة الفاشلة، وسيتعمق سيناريو التقسيم، وسيتسارع تصدير الأزمة من سورية إلى دول الجوار ذات التركيبة الديموغرافية المشابهة، والذي أصبح واقعاً نشهده الآن، كما أن استمرار الصراع في سورية سيحوله إلى صراع طائفي على مستوى الإقليم وفتنة مذهبية تقوض فرص أمتنا بالنهوض والتقدم.
يتبع ... يتبع.
--(بترا)
ب ط/س ك/خ
10/8/2014 - 01:37 م
10/8/2014 - 01:37 م
مواضيع:
المزيد من محليات
2025/08/14 | 01:34:59
2025/08/14 | 00:16:32
2025/08/14 | 00:07:30
2025/08/13 | 23:38:45
2025/08/13 | 23:25:57