الملك: القمة العربية تأتي في وقت يواجه فيه العالم العربي تحديات مصيرية... (اضافة رابعة واخيرة )
2014/03/22 | 09:37:47
13. كيف تنظرون إلى الوضع الحالي في مصر، وإلى مستقبل هذا البلد العربي؟
نحن لا نتدخل في الشأن الداخلي لأي من أشقائنا العرب، وهذه من ركائز السياسة الخارجية الأردنية، ولكن تحليلي للوضع في مصر يرتكز على أهمية عودة الأمن والاستقرار، فلا يمكن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط دون مصر، ومن يدّعي غير ذلك فهو لا يعرف المنطقة وتاريخها، فهي أكبر بلد عربي من حيث السكان، إذ تشكل لوحدها 25 بالمئة من المجتمع العربي، واستقرارها وأمنها ودورها المحوري ينعكس إيجابيا على المنطقة ككل.
العرب والمسلمون بحاجة لمصر لتعود قوية وفاعلة وتحمي كل مكونات الشعب المصري. فهي في قلب العالم العربي والإسلامي، وحلقة الوصل بين آسيا وأفريقيا، ودورها محوري في نشر الأمن والاستقرار والاعتدال.
يجب النظر إلى فترة الولاية الرئاسية القادمة بشكل شامل، فهي محطة مهمة لمستقبل مصر تتطلب قيادة قوية تتمتع بثقة غالبية المصريين وحكيمة وقادرة على قيادة مصر ومؤسساتها الراسخة لبر الأمان خلال هذه الفترة، وللتصدي للتحديات الأمنية الداخلية وللمساهمة في استعادة الاستقرار في الدول المحيطة بمصر والمهمة لنا جميعاً في الدول العربية.
نحن ندعم مساعي مصر للعودة للاستقرار والأمن الكامل والتصدي للإرهاب ونبذه، ونعوّل على استمرار الدور التاريخي للأزهر الشريف في الدفاع عن صورة الإسلام الحنيف وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال والتآخي والتعايش.
من الضروري أيضاً المضي قدماً بخارطة الطريق التي تحظى بتوافق الأغلبية في مصر، بما تتضمنه من محطات إصلاحية وديمقراطية في هذه التحولات الدقيقة، وسنحترم دائماً خيارات الشعب المصري الشقيق، وندعم من يختاره ويثق به ليمثله ويحمي مصالحه. والشعب المصري سيقرر والتاريخ سيبيِّن من عمل لمصر ومن عمل ضدها.
14. جلالة الملك، ذكرت أن الأردن حافظ على نموذجه في الاستقرار، كيف تفسرون نجاح الأردن وقيادته تحديداً في التعامل مع "الربيع العربي"؟ وهل ثمة عودة محتملة "للإخوان" إلى قلب الحياة السياسية؟
لقد انتهجنا في الأردن طريقاً ثالثاً: فلم تبق الحياة السياسية راكدة، ولم يتم القفز إلى المجهول. كما حرصنا على عدم اختزال الإصلاح بمجرد إجراء انتخابات، بل بإرساء منظومة ديمقراطية متكاملة بقوانين ومؤسسات وممارسات.
ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق الربيع العربي، اتخذناه حافزاً لتجديد الإصلاح وتعميقه ولم نتخذ منه ذريعة للتأجيل بالرغم من الظرف الاقتصادي الصعب والتحديات الأمنية الإقليمية. الإنجازات الإصلاحية الفعلية هي التي حددت معالم النموذج الإصلاحي الأردني، النابع من الداخل والقائم على التدرج، وبناء الإجماع، وإعمال المواطنة الفاعلة.
بدأنا بتعديل الدستور، ثم الجولة الأولى من تطوير القوانين السياسية الأساسية كقوانين الانتخاب والأحزاب والاجتماعات العامة، وتم استحداث مؤسسات ديمقراطية مُعزِّزة مثل الهيئة المستقلة للانتخاب والمحكمة الدستورية، وأُجريَت انتخابات نيابية وبلدية في عام واحد جدّدت العملية السياسية والمنخرطين فيها، واستحدثت آلية جديدة لتعيين الحكومات تقوم على مشاورات مع أعضاء مجلس النواب، بحيث تم تكليف رئيس الوزراء بناء على استشارات مع الكتل النيابية والمستقلين، كما تم إطلاق برنامج للتمكين الديمقراطي لتنفيذ مشاريع شبابية تهدف إلى تطوير الممارسات الديمقراطية. وجميع هذه المنجزات وما سيتبعها تكوِّن منظومة من الضوابط للفصل والتوازن بين السلطات.
الهدف الجوهري في الإصلاح السياسي وغايته هو المواطن الأردني. وجميع ما أنجز يصب في اتجاه تمكينه من المشاركة في صناعة القرار. فالمواطن ينتخب نائباً يقوم بدوره باختيار الحكومة في السلطة التنفيذية، ثم تنطلق دورة من التشريع والرقابة يمارسها النائب الذي يراقبه ناخبه، ويعبر المواطن عن مدى رضاه عن أداء نائبه في الانتخابات التالية.
هذه هي معالم النموذج الإصلاحي الأردني الهادف إلى تطوير القائم وليس هدمه. والهدف النهائي هو تعميق الديمقراطية والوصول إلى حالة متقدمة من الحكومات البرلمانية، وهذا يتطلب الجهد المستمر لتطوير العمل الحزبي والنيابي على أساس برامجي. ونحن اليوم في الجولة الثانية من تعديل قوانين سياسية مهمة بحيث تعمق النهج الديمقراطي وتواكب التعديلات الدستورية، ومنها قانون استقلال القضاء، وقانون محكمة أمن الدولة، فضلاً عن تحديث حزمة من التشريعات الاقتصادية الاجتماعية لتحقيق النمو الاقتصادي الشامل وتجذير العدالة الاجتماعية.
هذا النموذج الإصلاحي لم يقص أحداً ولم ولن يحابي أحداً، فالفرصة السياسية متاحة للجميع، ومن بينهم المعارضة الوطنية البناءة، لخوض ميدان العمل العام والسعي لنيل ثقة المواطن وتمثيله والتنافس العادل للوصول إلى مسؤولية السلطة دون إملاءات أو شروط ومع احترام توجهات الأغلبية.
بالنسبة لسؤالك عن الإخوان، فهم جزء من الطيف السياسي كباقي القوى السياسية العديدة الموجودة في الأردن. هم لم يخرجوا من المشهد حتى يعودوا! وما حدث خلال السنوات الماضية أنهم اعتمدوا المقاطعة أساساً لعملهم السياسي، وهذا الأسلوب كشف عن حسابات خاطئة وأضر بمصداقيتهم. مشاركتهم أو مقاطعتهم هو شأنهم في نهاية المطاف.
مسيرتنا الإصلاحية متواصلة وسيبقى الأردن دائماً فاتحاً ذراعيه لمن يريد أن يكون عنصراً فاعلاً في مسيرة البناء وحماية مبادئ التعددية والانفتاح والاعتدال وصيانة حقوق أبناء وبنات الوطن، ويؤمن قولاً وفعلاً بالتنافس السياسي العادل والفرصة المتساوية للأحزاب لتطوير برامجها وبناء قواعدها بما يسمح لها بالتنافس في إطار من التعددية السياسية واحترام الحقوق.
15. قلتم، جلالة الملك، إن الملكية التي سيرثها ولي عهدكم ستكون مختلفة عما ورثتموه عن جلالة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله. ما هو المقصود بذلك؟
المجتمعات الحيّة في حركة تطور مستمر. والتقدم الذي حققه الأردن على مختلف الصعد يعتبر قياسياً. مجتمعنا تغيّر، طموحاته وآلية التعبير عنها تغيّرت، أسس عمل الحكومات ومجالس النواب تغيّرت. ولكل قائد أسلوبه.
ومن بين ما قصدته أيضاً هو أن عملية التطور والإصلاح السياسي مستمرة، فالتعديلات الدستورية أحدثت تغييرات جوهرية في بنية الدولة، وهي تهدف بشكل أساسي إلى تمكين المواطن عبر مجلس النواب المنتخب من مشاركة واسعة في صنع القرار.
وما قصدته بتلك العبارة أيضاً هو أن الأردن الملتزم بالإصلاح والديمقراطية كنهج حياة؛ سيغدو مع الوقت أكثر ديمقراطية بالضرورة. فما نطمح له ونعمل من أجل تحقيقه هو تطوير العمل الحزبي والعمل النيابي بحيث نصل إلى تطبيق متقدم لمفهوم الحكومة البرلمانية، عبر الدورات البرلمانية المتتالية، فنصل بذلك إلى مجلس نواب بأغلبية ذات برامج حزبية تتولى تشكيل الحكومة، في حين تراقبها أقلية نيابية من خلال حكومة ظل حزبية وذات برامج أيضاً وتحمل رؤية منافسة فيما يتعلق بإدارة القضايا العامة، وتتم المنافسة وتداول الحكومات عبر صناديق الاقتراع. وهناك بوادر واعدة في مجلس النواب الحالي لمأسسة عمل الكتل ضمن عدد محدود من الإئتلافات الرئيسية، منها من يدعم الحكومة على أساس برامجي ومنها من يعارض الحكومة على أساس برامجي أيضاً. وهذا تجسيد للتطور والتغيير الذي عنيته.
وما أقصده بشكل أكثر تحديداً هو أن آليات صناعة القرار في تطور مستمر ومن ضمنها مؤسسة العرش. فالتطور والتقدم والتغيير هي سنة الحياة، والأردن يتطور مجتمعا ودولة ومؤسسات ونظاماً، بما في ذلك الملكية ومؤسسة العرش. وكقائد لهذا الوطن، أتعامل مع هذه المتغيرات والتطور بمستوى الاستجابة والديناميكية والمرونة الضرورية.
والشيء الثابت الذي لن يتغير هو علاقة الملكية بالشعب، فمسؤوليتنا أن نكرس أنفسنا لخدمة الشعب ورعاية مصالحه وأن نكون صمام الأمان في المفاصل التي تتطلب ذلك، خاصة الذود عن أمننا الوطني، وصيانة قيمنا الأساسية من وحدة وتعددية وانفتاح وتسامح واعتدال. وهذا عهدنا دوما أمام الله ومع الشعب.
16. جلالة الملك، هل يمكن إنجاز الإصلاح في الأردن في ظل المديونية الهائلة؟ وماذا عن ملف مكافحة الفساد؟
بالتأكيد يمكننا إنجاز الإصلاح، والمؤشرات مُبشرة، وقبل أن أوضح ذلك أريد أن أبين أن ربط الإصلاح بحجم المديونية والفساد أمر بحاجة للدقة والتوضيح.
الحديث عن الفساد يقع غالبا في دائرة المبالغة والتهويل، وقد كان لذلك آثار سلبية على جذب الاستثمار وخسارة الآلاف من فرص العمل الجديدة. لقد آن الأوان لاستعادة الثقة عبر تجذير ثقافة النزاهة. وقد كان هناك تصريح لرئيس هيئة مكافحة الفساد، وهي هيئة رقابية مستقلة، أكّد فيه أن أكثر من 90 بالمئة من شكاوى الفساد كيدية! وهذا المثال يجب أن يقرأ أيضاً في سياق موقع الأردن على مقياس منظمة الشفافية الدولية. ففي العام 2012، جاء الأردن ضمن أفضل 30 بالمئة من دول العالم على مقياس منظمة الشفافية وتصدر الدول العربية غير النفطية ضمن هذا مقياس. هذه الحقائق، التي نطمح دائماً إلى تطويرها نحو مستويات أفضل، لا تنال التركيز والتحليل الذي تستحقه.
وبكل الأحوال، فإننا عاكفون وبكل جدية على محاصرة آفة الفساد، وهناك خطوات عملية تم اتخاذها تتجسد في منظومة النزاهة الوطنية التي تعزز إجراءات قائمة وأخرى ستستحدث من شأنها ردع الفساد، فضلاً عن الاستمرار في تطوير قدرات مؤسسات الدولة وأجهزتها لاتخاذ القرارات السليمة بثقة والوقوف في وجه كل من يحاول الإفساد، وضمان عمل القضاء بشكل سريع وعادل في البت في قضايا الفساد.
وعودة إلى جزئية المديونية وارتفاعها، ففي عام 2000 بلغت المديونية قرابة 105 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفي السنوات التي تلتها نما الاقتصاد الأردني بوتيرة إيجابية وطبقت إصلاحات اقتصادية مكنتنا من تخفيض الدين بحلول العام 2008 إلى نحو 55 بالمئة . إلا أن مجموعة من الأسباب والأحداث الخارجة عن إرادتنا مثل الأزمة المالية العالمية، والارتفاع الهائل في أسعار السلع الأساسية والطاقة، ومن ثم الأزمات في مصر التي تسببت بانقطاع إمدادات الغاز ما فاقم من فاتورة الطاقة، والأزمة في سورية التي تسببت بموجات لجوء نتحمل النسبة الأكبر من تكلفتها، كلها عوامل فاقمت في مجملها من حجم المديونية.
رؤيتي تقوم على أهمية الإصلاحات الاقتصادية لأنها تسهل عملية الإصلاح السياسي. فأنت تستطيع أن تنجز إصلاحات سياسية بشكل أكثر سلاسة ومرونة عندما يكون الظرف الاقتصادي مزدهراً ومواتياً.
وبالرغم من ذلك، فإن القفزة الإصلاحية التي حققها الأردن ومازال مستمراً فيها جاءت في ظل ظروف اقتصادية ومالية صعبة وضاغطة، لم تثنينا عن تحقيق الإصلاح الشامل، ولن نسمح للتحديات الاقتصادية أو الإقليمية بأن تكون ذرائع عن المضي في الإصلاح، الذي سنترجمه وشعبنا الأردني إنجازا ديمقراطيا تلو الآخر، ويدا بيد.
--(بترا )
س ط
22/3/2014 - 07:17 ص
22/3/2014 - 07:17 ص
مواضيع:
المزيد من محليات
2025/08/14 | 01:34:59
2025/08/14 | 00:16:32
2025/08/14 | 00:07:30
2025/08/13 | 23:38:45
2025/08/13 | 23:25:57