المشهد الثقافي التونسي يواصل حضوره المميز... إضافة 1 وأخيرة
2020/08/01 | 16:20:06
*مسرحية "بلا قيود" لنادي المسرح بالسجن المدني بمرناق: الفن يحرّر السجين ويحقّق إنسانيته
أن تكون مذنبا وتقضي عقوبة سجنية، فذلك لا يُلغي أن تكون مبدعا تحوز على طاقات فنية يمكن تطويعها في عمل ثقافي، سواءً كان مسرحيا أو موسيقيا أو سينمائيا أو غيره.
جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الحادية والعشرين لأيام قرطاج المسرحية من 7 إلى 15 كانون الاول الماضي، وفي إطار ركن "مسرح الحرية" المخصّص للأعمال المسرحية من إنتاج نوادي المسرح في المؤسسات السجنية، تابع جمهور الفن الرابع، بدار الثقافة المغاربية ابن خلدون بالعاصمة، عرضا بعنوان "بلا قيود"، أخرجته عفاف أنداري، وقدّمه عدد من نزلاء السجن المدني بمرناق من ولاية بن عروس.
وبما أن المسرح هو أب الفنون، وفق المنظور الأرسطي، فإن المخرجة أرادت من مسرحية "بلا قيود" التي دام عرضها 60 دقيقة، أن تكون عملا فنيا جامعا تمتزج فيه فنون الفيديو والشعر والكوريغرافيا، ليكون التعبير المسرحي أكثر حرية وغير محدود.
وانطلقت المسرحية بمقطع غنائي أدّاه أحد السجناء على الركح، يبدو الغناء بالنسبة إليه ملاذا لكسر القضبان والهروب من الواقع والفن هو جزء من أحلامه وطموحاته ليعطي حياته معنى ويحقّق إنسانيته، وإثر هذا المشهد الافتتاحي، تتالت المشاهد الكوريغرافية لتجسّد مواقف عديدة أثارت قضايا حقوقية وإنسانية، كالتمييز العنصري والعدالة والحريات الفردية والجماعية، وجسّد الممثلون مختلف الوضعيات في المسرحية بحركات تعبيرية كوريغرافية، فكانت الحركات الراقصة جماعية وبصفة فردية للدلالة على أن القضايا المطروحة تهم الفرد والمجموعة.
وأما اللعب الدرامي على الركح، فقد جمع بين القسوة والتراجيديا وبين السخرية السوداء، ووظّفت المخرجة أنداري المشاهد القاسية لتعكس المشاهد العنيفة التي تفشت في الواقع التونسي بعد ثورة 14 كانون الثاني 2011، وأما السخرية السوداء، فكانت لها وظيفتان رئيسيتان: تمثّلت الوظيفة الأولى في إراحة الجمهور من عناء تتابع الأحداث ومن المشاهد العنيفة، فيما تكمن الوظيفة الثانية في التعبير عن الأوجاع التي سكنت شخصيات المسرحية وحالة التمزّق التي يعيشونها.
وبرهن أبطال مسرحية "بلا قيود" من خلال هذا العمل الذي تمّ تقديمه بحضور عائلاتهم وكذلك الإطارات السجنية وأحباء الفن الرابع، على أن للسجين طاقات إبداعية يمكن تطويعها في أعمال فنية، وأن الثقافة هي إحدى أشكال إعادة إدماج السجين في المجتمع مرة أخرى، ما يقيه من العود.
*فيلم "قيرة" للفاضل الجزيري.. عندما تُدار السياسة في الغرف المظلمة تحاك الدسائس وتعم الفوضى يحكي الفيلم الروائي الطويل "قيرة" للمخرج السينمائي الفاضل الجزيري في 115 دقيقة رحلة داعية اسمه "بوزيد" ادعى محاربة الظلم وتحول إلى طاغية متعطش للدماء، وهذه الشخصية هي انعكاس لقصة أبي يزيد بن خويلد الكدادي المعروف باسم "بوزيد صاحب الحمار"، ولكن الجزيري أخرجها من ثوبها التاريخي ليؤقلمها مع طبيعة الواقع التونسي الراهن.
ويشارك في أحداث هذا الشريط ثلة من الممثلين التونسيين على غرار طاهر عيسى بالعربي وسامي نصري وسارة الحناشي وآمنة الجزيري ومعز بن طالب وعلي الجزيري ومحمد كوكة وأكرم بوقرين وهيثم الحضيري.
-صور قاتمة ومشاهد عنيفةللتعبير عن معنى "القيرة" أو "الحرب" يلاحظ المشاهد اهتماما بالغا من المخرج بالصور والمشاهد في الفيلم، فهي بدت قاتمة سوداوية لتجسد معاني الحرب بمختلف ملامحها الدامية من عنف ورعب وتعذيب مادي ونفسي ومأساة إنسانية.
وقد لعب المخرج في الصورة على متناقضين اثنين هما ثنائية الضوء والظلمة في آن واحد، وقد شكلتهما النوافذ والممرات داخل الكهوف والأماكن المغلقة وفي الممرات، لتبرز الممارسة السياسية البشعة من ناحية، ومن ناحية أخرى لتسلط الضوء على المؤامرات والدسائس التي تحاك في هذه الغرف المظلمة إلى حد ممارسة كل أشكال التعذيب على الآخر من أجل البقاء في السلطة.
كما لعبت الصورة القائمة على ثنائية الضوء والظلمة دلالات أخرى في الفيلم، فالظلمة موظفة بإحكام لتعبر عن الظلم والاستبداد والطغيان والفقر، وأما الضوء فهو فسحة أمل للتخلص من الاستبداد وللتحرر والانعتاق.
وليست قتامة الصورة وحدها معبرة عن معنى "القيرة"، إذ غابت المشاهد العامة عن الفيلم، أو اللقطات البعيدة كما يصطلح تسميتها في لغة التقنية السينمائية، واقتصرت على المشاهد القريبة حتى تكون مقاصدها وفية لمعاني الحرب ورمزيتها من عنف وقتل ودماء ودمار وفوضى.
-الأماكن والتاريخ والشخصيات وعلاقتها بالواقعتدور أحداث "القيرة" في ثلاثة أماكن لها رمزيتها هي "معلم القصبة" بالكاف الذي شيده العثمانيون سنة 1600 ميلادي و"مائدة يوغرطة" ذاك المرتفع الذي احتمى به القائد النوميدي يوغرطة من الرومان، وجامع عقبة بن نافع بالقيروان ورمزية هذه المدينة كمهد للحضارة الإسلامية، وأما الزمان فهو الواقع التونسي الراهن وتجلى ذلك من خلال ملابس الشخصيات والأسلحة المستخدمة والسيارات العصرية ووسائل الاتصال الحديثة والرقمية كالهاتف الجوال والأنترنت.
وأوجد الفاضل الجزيري الخيط الرفيع بين هذه الأماكن برمزيتها التاريخية والشخصيات وقصة "ثورة صاحب الحمار" في تشابه الأحداث والشخصيات مع الواقع الحالي، فأسباب قيام ثورة صاحب الحمار وتداعياتها أوردها المخرج في حركة تقاطع إلى حد ما مع أسباب قيام ثورة 2011، ولذلك ينبّه الفاضل الجزيري من فشل ثورة 2011 كما فشلت ثورة صاحب الحمار.
ووظف المخرج اللقطات القريبة في الفيلم ليغوص في أعماق الشخصيات ويبرز بشاعتها في إدارة شؤون الدولة التي تحكمها المصالح الذاتية الضيقة، وتوزع فيها المناصب استنادا إلى القرابة الدموية لا إلى الكفاءة وفيها أيضا استغلال لأجهزة الدولة وتوظيف لقضائها، وهي من عوامل استشراء الفساد والسرقة وغياب العدل وانتشار الظلم وتفاقم الفقر والجوع.
والصراع بين شخصيات "القيرة" نوعان: الأول بين السياسيين والشعب المطالب بالعيش الكريم، والصراع الثاني بين الأطياف السياسية الحاكمة التي تحيك الدسائس لبعضها البعض للانفراد بالسلطة. ففي السلطة لا مكان للقيم الإنسانية ولا مجال للاستقامة والوفاء، فمن أجل الحفاظ على الحكم قد يضحي الحاكم بأقرب الناس إليه وهم أبناؤه.
حضور المرأة في هذا العمل جاء محملا بالدلالات العميقة والرسائل المباشرة، فقد خلصها الجزيري من القيود الذكورية المسلطة عليها، فبدت الشخصيتان الرئيسيتان آمنة الجزيري وسارة حناشي أكثر عنفا حتى من الرجال أنفسهم، تحيكان الدسائس وتتلاعبان من أجل الحصول على منافع ذاتية، فلا مكان للحب وللقيم الإنسانية في السلطة، ولكن النقطة المضيئة في المرأة هي أن المخرج جعل شخصية الحاكم الديكتاتور "بوزيد" يلقى حتفه على يد امرأة، لتنطلق على إثر ذلك حياة سياسية جديدة قد يلقى الحاكم فيها المصير نفسه إذا طغى وعاث فسادا.
--(بترا)
م ت/رع/س أ01/08/2020 13:20:06
أن تكون مذنبا وتقضي عقوبة سجنية، فذلك لا يُلغي أن تكون مبدعا تحوز على طاقات فنية يمكن تطويعها في عمل ثقافي، سواءً كان مسرحيا أو موسيقيا أو سينمائيا أو غيره.
جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الحادية والعشرين لأيام قرطاج المسرحية من 7 إلى 15 كانون الاول الماضي، وفي إطار ركن "مسرح الحرية" المخصّص للأعمال المسرحية من إنتاج نوادي المسرح في المؤسسات السجنية، تابع جمهور الفن الرابع، بدار الثقافة المغاربية ابن خلدون بالعاصمة، عرضا بعنوان "بلا قيود"، أخرجته عفاف أنداري، وقدّمه عدد من نزلاء السجن المدني بمرناق من ولاية بن عروس.
وبما أن المسرح هو أب الفنون، وفق المنظور الأرسطي، فإن المخرجة أرادت من مسرحية "بلا قيود" التي دام عرضها 60 دقيقة، أن تكون عملا فنيا جامعا تمتزج فيه فنون الفيديو والشعر والكوريغرافيا، ليكون التعبير المسرحي أكثر حرية وغير محدود.
وانطلقت المسرحية بمقطع غنائي أدّاه أحد السجناء على الركح، يبدو الغناء بالنسبة إليه ملاذا لكسر القضبان والهروب من الواقع والفن هو جزء من أحلامه وطموحاته ليعطي حياته معنى ويحقّق إنسانيته، وإثر هذا المشهد الافتتاحي، تتالت المشاهد الكوريغرافية لتجسّد مواقف عديدة أثارت قضايا حقوقية وإنسانية، كالتمييز العنصري والعدالة والحريات الفردية والجماعية، وجسّد الممثلون مختلف الوضعيات في المسرحية بحركات تعبيرية كوريغرافية، فكانت الحركات الراقصة جماعية وبصفة فردية للدلالة على أن القضايا المطروحة تهم الفرد والمجموعة.
وأما اللعب الدرامي على الركح، فقد جمع بين القسوة والتراجيديا وبين السخرية السوداء، ووظّفت المخرجة أنداري المشاهد القاسية لتعكس المشاهد العنيفة التي تفشت في الواقع التونسي بعد ثورة 14 كانون الثاني 2011، وأما السخرية السوداء، فكانت لها وظيفتان رئيسيتان: تمثّلت الوظيفة الأولى في إراحة الجمهور من عناء تتابع الأحداث ومن المشاهد العنيفة، فيما تكمن الوظيفة الثانية في التعبير عن الأوجاع التي سكنت شخصيات المسرحية وحالة التمزّق التي يعيشونها.
وبرهن أبطال مسرحية "بلا قيود" من خلال هذا العمل الذي تمّ تقديمه بحضور عائلاتهم وكذلك الإطارات السجنية وأحباء الفن الرابع، على أن للسجين طاقات إبداعية يمكن تطويعها في أعمال فنية، وأن الثقافة هي إحدى أشكال إعادة إدماج السجين في المجتمع مرة أخرى، ما يقيه من العود.
*فيلم "قيرة" للفاضل الجزيري.. عندما تُدار السياسة في الغرف المظلمة تحاك الدسائس وتعم الفوضى يحكي الفيلم الروائي الطويل "قيرة" للمخرج السينمائي الفاضل الجزيري في 115 دقيقة رحلة داعية اسمه "بوزيد" ادعى محاربة الظلم وتحول إلى طاغية متعطش للدماء، وهذه الشخصية هي انعكاس لقصة أبي يزيد بن خويلد الكدادي المعروف باسم "بوزيد صاحب الحمار"، ولكن الجزيري أخرجها من ثوبها التاريخي ليؤقلمها مع طبيعة الواقع التونسي الراهن.
ويشارك في أحداث هذا الشريط ثلة من الممثلين التونسيين على غرار طاهر عيسى بالعربي وسامي نصري وسارة الحناشي وآمنة الجزيري ومعز بن طالب وعلي الجزيري ومحمد كوكة وأكرم بوقرين وهيثم الحضيري.
-صور قاتمة ومشاهد عنيفةللتعبير عن معنى "القيرة" أو "الحرب" يلاحظ المشاهد اهتماما بالغا من المخرج بالصور والمشاهد في الفيلم، فهي بدت قاتمة سوداوية لتجسد معاني الحرب بمختلف ملامحها الدامية من عنف ورعب وتعذيب مادي ونفسي ومأساة إنسانية.
وقد لعب المخرج في الصورة على متناقضين اثنين هما ثنائية الضوء والظلمة في آن واحد، وقد شكلتهما النوافذ والممرات داخل الكهوف والأماكن المغلقة وفي الممرات، لتبرز الممارسة السياسية البشعة من ناحية، ومن ناحية أخرى لتسلط الضوء على المؤامرات والدسائس التي تحاك في هذه الغرف المظلمة إلى حد ممارسة كل أشكال التعذيب على الآخر من أجل البقاء في السلطة.
كما لعبت الصورة القائمة على ثنائية الضوء والظلمة دلالات أخرى في الفيلم، فالظلمة موظفة بإحكام لتعبر عن الظلم والاستبداد والطغيان والفقر، وأما الضوء فهو فسحة أمل للتخلص من الاستبداد وللتحرر والانعتاق.
وليست قتامة الصورة وحدها معبرة عن معنى "القيرة"، إذ غابت المشاهد العامة عن الفيلم، أو اللقطات البعيدة كما يصطلح تسميتها في لغة التقنية السينمائية، واقتصرت على المشاهد القريبة حتى تكون مقاصدها وفية لمعاني الحرب ورمزيتها من عنف وقتل ودماء ودمار وفوضى.
-الأماكن والتاريخ والشخصيات وعلاقتها بالواقعتدور أحداث "القيرة" في ثلاثة أماكن لها رمزيتها هي "معلم القصبة" بالكاف الذي شيده العثمانيون سنة 1600 ميلادي و"مائدة يوغرطة" ذاك المرتفع الذي احتمى به القائد النوميدي يوغرطة من الرومان، وجامع عقبة بن نافع بالقيروان ورمزية هذه المدينة كمهد للحضارة الإسلامية، وأما الزمان فهو الواقع التونسي الراهن وتجلى ذلك من خلال ملابس الشخصيات والأسلحة المستخدمة والسيارات العصرية ووسائل الاتصال الحديثة والرقمية كالهاتف الجوال والأنترنت.
وأوجد الفاضل الجزيري الخيط الرفيع بين هذه الأماكن برمزيتها التاريخية والشخصيات وقصة "ثورة صاحب الحمار" في تشابه الأحداث والشخصيات مع الواقع الحالي، فأسباب قيام ثورة صاحب الحمار وتداعياتها أوردها المخرج في حركة تقاطع إلى حد ما مع أسباب قيام ثورة 2011، ولذلك ينبّه الفاضل الجزيري من فشل ثورة 2011 كما فشلت ثورة صاحب الحمار.
ووظف المخرج اللقطات القريبة في الفيلم ليغوص في أعماق الشخصيات ويبرز بشاعتها في إدارة شؤون الدولة التي تحكمها المصالح الذاتية الضيقة، وتوزع فيها المناصب استنادا إلى القرابة الدموية لا إلى الكفاءة وفيها أيضا استغلال لأجهزة الدولة وتوظيف لقضائها، وهي من عوامل استشراء الفساد والسرقة وغياب العدل وانتشار الظلم وتفاقم الفقر والجوع.
والصراع بين شخصيات "القيرة" نوعان: الأول بين السياسيين والشعب المطالب بالعيش الكريم، والصراع الثاني بين الأطياف السياسية الحاكمة التي تحيك الدسائس لبعضها البعض للانفراد بالسلطة. ففي السلطة لا مكان للقيم الإنسانية ولا مجال للاستقامة والوفاء، فمن أجل الحفاظ على الحكم قد يضحي الحاكم بأقرب الناس إليه وهم أبناؤه.
حضور المرأة في هذا العمل جاء محملا بالدلالات العميقة والرسائل المباشرة، فقد خلصها الجزيري من القيود الذكورية المسلطة عليها، فبدت الشخصيتان الرئيسيتان آمنة الجزيري وسارة حناشي أكثر عنفا حتى من الرجال أنفسهم، تحيكان الدسائس وتتلاعبان من أجل الحصول على منافع ذاتية، فلا مكان للحب وللقيم الإنسانية في السلطة، ولكن النقطة المضيئة في المرأة هي أن المخرج جعل شخصية الحاكم الديكتاتور "بوزيد" يلقى حتفه على يد امرأة، لتنطلق على إثر ذلك حياة سياسية جديدة قد يلقى الحاكم فيها المصير نفسه إذا طغى وعاث فسادا.
--(بترا)
م ت/رع/س أ01/08/2020 13:20:06