المدينة الثقافية.. طموح تونسي وعربي يصل الموروث بالحداثة
2018/05/08 | 13:07:47
تونس 8 ايار (بترا) وفاء مطالقة- بعد أن كان حلما بعيد المنال، جاء مشروع "المدينة الثقافية" في تونس ليشكل معلما حضاريا؛ يلبي رغبات مثقفي ومبدعي تونس والعرب، خاصة وانها تتربع بشموخ وألق في مكان ينبض بالحركة والحياة وسط شارع محمد الخامس، الذي تتميز به العاصمة التونسية.
انتظر المثقفون التونسيون ومعهم أقرانهم العرب عقدا من الزمان، ريثما ينتهي إنشاء "المدينة" بتجهيزاتها ومعداتها وتقنياتها العالمية التي أصر القائمون عليها على إنجازها رغم ما شهدته المنطقة عامة وتونس خاصة في السنوات الاخيرة من تحولات سياسية واقتصادية عصيبة.
تحتضن فضاءات المدينة جملة من الصالات والمسارح والقاعات والباحات المخصصة للعروض المسرحية والسينمائية والموسيقية بالإضافة الى دارات مخصصة للتدريب والاجتماعات والنشاطات، مثلما هناك مساحات تجارية ومقاهٍ يتوسطها برج يرتفع بطول 65 مترا، لاحتضان الندوات الفكرية واللقاءات الأدبية وبث البرامج التلفزيونية والإذاعية، ووصلت تكلفة هذا الصرح الى ما يزيد على 150 مليون دينار تونسي، فيما أكد مثقفون ان من شأنه أن يُسهم في دعم الموقع الثقافي لتونس دوليا، حتى تكون عاصمة ثقافية عالمية تستقطب صناع الفكر والفن والإبداع الانساني بشتى تجلياته.
ولأن الثقافة ليست ترفاً في حياة التونسيين، كان افتتاح المدينة أشبه برسالة حضارية الى العالم، مضمونها ان تونس تسير بالاتجاه الصحيح رغم الصعوبات السياسية التي عانت منها المنطقة، وأن الثقافة ضرورة صحية وحيوية لكل مجتمع حر وطموح، فهي ذاكرة الامة ومحمل وعيها بالتواصل التاريخي وأداة انتاجها لرموز ومعاني ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
وقال المنسق الهندسي في المدينة الثقافية سفيان القاسمي لوكالة الانباء الاردنية (بترا)، "إن المدينة الثقافية تعتبر أكبر مشروع ثقافي وطني طموح بامتياز ذي ابعاد تنموية واقتصادية وسياحية واستثمارية، لافتا الى ان هذا الصرح الثقافي يتيح للزوار الدخول اليه عبر مدخلين رئيسيين: الأول من الواجهة الغربية المطلة على شارع محمد الخامس، والثاني من الواجهة الشرقية للمعلم ويُفتح على الطريق السريعة التي تربط العاصمة بالضاحية الشمالية".
واشار القاسمي، الى أن الخصائص المعمارية للمدينة تتماشى مع المضامين والبرامج والأحداث الفنية والأجندات الثقافية التي ستحتضنها، لتكون هذه المدينة فضاء للتجارب والبحوث الفنية وللتكوين والإنتاج والنشر، ما يعزز من دعم الاستثمار الخاص في قطاع الثقافة وتشجيعه بالعمل المستقل والمبادرة الحرة.
وأضاف، "ان المدينة ستكون مرفقا هاما في مجال الحفاظ على الذاكرة الفنية التونسية الجماعية في مختلف مشاربها الإبداعية، فضلا عن كونها فضاء للارتقاء بالذائقة الفنية من خلال تكوين الجمهور وتيسير انفتاحه على التنويعات الحضارية والثقافية عبر نشر ثقافات العالم وعروض فنية متعددة الوسائط.
وبين أن المدينة الثقافية تشتمل على ثلاثة مسارح ومتحف للفنون المعاصرة بمواصفات دولية وثلاث قاعات عرض ومكتبة سينمائية ومركز وطني للكتاب ومركز للاستثمار الثقافي، ومجمّع لأهم ما يوجد في تونس من مؤسسات ريادية في مجال الفنون البصرية والسينمائية، كما تتضمن فضاءات فنون الفرجة التي بدورها تتفرع الى مسرح الاوبرا الذي يتسع لـ 1800 مقعد، ومسرح الجهات بـ 700 مقعد، ومسرح المبدعين الشبان المجهز بـ 300 مقعد، اضافة الى ستة فضاءات اخرى للإنتاج والتمارين، وفضاء لخزن قطع الاكسسوارات والديكورات والازياء، مثلما هناك أروقة للمعارض الفنية لحفظ مقتنيات فنية من الموروث التونسي الى جانب مجمع سينمائي مكوّن من قاعتين تتسع الاولى لـ 350 مقعدا، والثانية 150 مقعدا، عدا عن المكتبة السينمائية وقاعة أوديتريوم تتسع لـ 100 مقعد.
ويؤكد القاسمي، ان فضاءات المدينة الثقافية ستتفاعل يوميا مع سائر فعاليات المهرجانات والملتقيات والمناسبات المخصصة للعروض المشهدية والسمعية والبصرية والتشكيلية وحفلات الاوبرا والموسيقى والندوات الفكرية والفقرات التنشيطية المفتوحة أمام العموم، التي يحفل بها المشهد الثقافي في تونس، وجميعها تتميز بتنوعها الثقافي وصبغتها التجديدية تستهدف كل فئات ومكونات المجتمع التونسي، بما يسهم في نشر التوعية والتثقيف وتعزيز الحريات، بعيدا عن كلّ أشكال التطرّف والإرهاب والفكر الظلامي، لافتا الى وضع خطط لتنسيق عدد من الفعاليات بالتنسيق مع مهرجانات ذائعة الصيت ضمن شراكات فنية دولية.
ويوضح ان مركز اوركسترا واصوات أوبرا وباليه تونس سيكون من بين رموز الابداع الفني ونشره في المدينة الثقافية، خاصة وان هذا المشروع يضم مجموعة من افضل العازفين والمؤدين في تونس مهمتهم إعادة تقديم الاعمال السيمفونية والغنائية للمصنفات الانسانية الرائجة مع التشجيع على انتاج اعمال لفنانين وملحنين لهم بصمتهم الخاصة في الموسيقى التونسية.
وعلى صعيد المسرح أوضح أنه يرتبط بعلاقة تفاعلية ومباشرة مع سائر حقول الابداع والذي يشكل جسرا للإبداع المسرحي في الاحتراف وتعزيز طاقات مواهب تتفتح، وتشجيعهم على خوض غمار الفعل المسرحي وطقوسه.
واشار الى ان المركز الوطني للسينما والصورة الذي تحتضنه المدينة، يضم ارشيفا غنيا بسائر اطياف الصناعة السينمائية التونسية، مثلما هناك "سينماتيك" يحتوي على علامات الفن السابع عدا عن وجود 3 قاعات للعرض ومخبر لصناعة الافلام الرقمية، ومركز لالعاب الفيديو، كما ان هناك عدة مكاتب جرى تخصيصها لادارة ايام قرطاج السينمائية لتتواصل فيه على مدار العام مع مبدعي السينما المحلية والعربية والعالمية وزوار المهرجان.
وتعتبر مكتبة السينما التونسية، وفقا للقاسمي، رافدا مهما لإعادة هيكلة القطاع السمعي البصري، وتهدف لرفع قيمة التراث السينمائي لدى الاجيال الصاعدة.
ويعد معهد تونس للترجمة الذي تحتضنه المدينة، مؤسسة ثقافية وطنية تهدف الى تعزيز حضور الثقافة التونسية في المشهد الثقافي العالمي والتواصل مع الثقافات الاخرى من خلال ترجمة الكتب في الادب التونسي والعلوم الانسانية والاجتماعية والمجالات التاريخية والفكرية والحضارية التونسية، وترجمة روائع الادب العالمي والاثار الفلسفية والفكر اللساني والمعجمي والمصطلحي.
وأشار القاسمي إلى ان المعهد اصدر 119 كتابا الى جانب مختصر موسوعة الاسلام من الانجليزية الى العربية، مبينا ان بيت الرواية، أول بيت عربي للرواية، يعنى بفن الرواية ابداعا ونقدا في تونس، ويفتح نوافذه على المشهد الروائي العربي والعالمي، ويطمح الى تغيير مقروئية الرواية في تونس، وأن يكون قِبلة لعشاق الرواية من القراء والمبدعين والنقاد والباحثين، أما بيت الشعر فهو امتداد لأول بيت شعر في العالم العربي انطلق قبل نحو عشرين عاما من البلدة العتيقة ليمتد الان الى قلب العاصمة العصرية في المدينة الثقافية.
وفي معرض الحداثة التونسية استعرضت المنسقة وجيدة الصكوحي، مسار الكيان التونسي باعتباره كيانا ثقافيا وسياسيا متميزا، بدأ مساره نحو الحداثة منذ بداية القرن التاسع عشر وهو ما يوثقه معرض الحداثة التونسية، كما يضم المعرض سردا بالصور والوثائق للفترة الممتدة من القرن التاسع عشر، وصولا الى الوقت الحالي.
وفي فضاء الصحافة، استعرضت الصكوحي نشأة الصحافة التونسية منذ العام 1860، بصدور اول صحيفة تونسية تحت مسمى الرائد الرسمي.
--(بترا)
و م/ح خ/ب ص/ اح
8/5/2018 - 10:04 ص