الثورة العربية الكبرى:معركة الطفيلة في "حد الدقيق" ...إضافة 1
2016/04/11 | 16:24:47
ويتابع القوابعة نقلا عن صاحب المذكرات "وحمدا لله انه كان في دماغ احد الرجال (قسم الثورة) فبادر بصوت عال ونطق .. "لسان حالنا جميعا ايها الشريف ومعنا اطفالنا والصبيان كما تراهم... نقسم بالله العظيم ان ننتظركم، وان نسير حين تسير، وان لا ندين للترك بطاعة، وان نحسن معاملة من يتكلم العربية، وان نجعل الاستقلال فوق حياتنا واهلنا واموالنا".
وزاد في الكلام رجل اخر ... "يا صاحب الشرافة ونزيدكم خبرا ان رجالنا المقيمين في وادي الحسا من البارحة وحتى صباح اليوم يقاتلون الترك فتوكل على الله". ويضيف صاحب المذكرات، وعند ذلك تهلل وجه الامير وقد رأيته شابا سمح الوجه في مطلع شبابه وربما لا يتجاوز السابعة عشرة، وعندها قال: "نعم، نعم، نعم"، وتابع صاحب المذكرات فبادرت انا والشاويش احمود الرفوع بتسجيل من تطوع، وانتظرنا ساعات حتى كثر الرجال وكنا نخبرهم بين متطوع حر معي او جندي نظامي يسجله الشاويش وهو قائد فصيل – فئة" وهكذا فإن قوات الامير زادت كثيرا بمتطوعي الطفيلة والمنتسبين لجيش الثورة من البلدة وقراها.
اما عن تردد الامير زيد في البداية فإن المؤرخ الاردني سليمان موسى يبرره قائلا: "فلا عجب اذا تردد زيد في الزحف بكل قوته لمجابهة تلك القوى التركية النظامية ذات الاسلحة الثقيلة في معركة حاسمة، وماذا يستطيع ان يفعل ستون من النظاميين العرب امام ألف من النظاميين الترك".
أول المعركة في وادي الحسا: تعتبر منحدرات وادي الحسا هي مناطق تواجد اصحاب القطعان في فصل الشتاء حيث دفء الوادي فشتاء جبال الطفيلة غالبا ما يكون ثلجيا اذا جاد الموسم، فالجبال تتصف بشدة برودتها لذلك فإن وادي الحسا من اودية الطفيلة الجاذبة وقت الشتاء. وأول لقاء للقوات التركية مع اهل الطفيلة كان يوم 24 كانون الثاني وحتى اخر الليل في سفوح الوادي وكانت المواجهة قد فرضت على الطرفين.. وهناك "فإن المعركة فرضت نفسها فرضا، فرفضها الأهلون المسلحون بالبنادق الذين كانوا يترصدون جنود العدو في هضاب وعرة يعرفونها شبرا شبرا فيقتلونهم ويغنمون سلاحهم وهم لخفتهم لا يخشون ملاحقة العدو لهم... وما يجدر ذكره ان الاسلحة متوفرة بين ايدي الاهلين حتى كان معظمهم – شيبا وشبابا – يحملون البنادق".
ويقول القوابعة "وهذا ما اتفق عليه وذكره قائد الفصيل وصاحب المذكرات ومن قاتلوا في المعركة او التحقوا بها وإن بدأت في يوم سابق والتي يسميها (ريتشارد الذنجتون) في كتابه عن لورنس بـ (معركة الحسا) ويدونها المترجم هكذا (معركة الحصى).
وعن مسار القوات التركية يقول القوابعة، ان هذه القوات امضت وقتا من ليلة 24 كانون الثاني في وادي الحسا وقد تعرضت للرصاص من الفلاحين واهل القطعان القاطنين في المنحدرات. ولما سألنا الرواة المقاتلين.... كيف كنتم توجهون بنادقكم في العتمة؟ كانت اجابتهم .."شاهدنا الجنود حول النيران التي اوقدوها في بطن الوادي وهم يتناولون عشاءهم ورغم ذلك اوقعوا بنا ثلاثة قتلى وبعض الجرحى وظلت الرماية بيننا على فترات، اما اصابتنا فكان سببها نيران بنادقنا التي كشفتنا للعدو ولما ادركنا ذلك تنادينا للرمي خلف الصخور... وعلى أي حال كانت اصابتنا اقل بكثير مما اصابهم، ولمسنا ذلك بعد ايام عندما عدنا الى مهاجعهم وشاهدنا كثرة الدماء قرب الجسر الذي سمي فيما بعد بجسر الشهداء.
"ومع الفجر تحركت القوات التركية لتمس وادي اللعبان السفلي تاركة جبل التنور الى يمينها، ثم مالت غربا لتترك وادي اللعبان فأشرفت على وادي الحسا من سفوحه الجنوبية وصعدت باتجاه الجنوب بمسارين متوازيين بعض الشيء"، مسار استخدم طريقا رومانيا مرصوفا – مازال له اثر– ويستعين به الخيالة والبغال التي تجر المدافع وتنقل الذخائر والامتعة ومواد الاعاشة، وآخر الى يسار السابق تشوبه الوعورة وسلكه المشاة ويلتقي المساران قبل ان يصلا (رجم كركا) ومع قائد الحملة أدلاء من المتطوعين.
معركة حد الدقيق واحدة من صور البطولة: ما ان ابعدت تلك القوات عن وادي الحسا بحوالي اربعة كيلومترات وفي حد الدقيق حتى كانت عناصرها هدفا للمدافعين من سكان المنطقة الذين انتشروا خلف الصخور واكثرهم قناصة ورجال صيد يجيدون التخفي، وظهر لهم الجنود كأهداف واضحة مع مطلع الفجر وهناك في درب شديد الوعورة وفي فرز حد الدقيق اجهز الرماة على الغزاة الذين ارتبكوا لكثرة الاصابات بينهم واخذتهم الحيرة بين اخلاء القتلى والجرحى ووعورة الطريق وعدو لهم لا يرونه ظاهرا.
وفي ذلك يقول سليمان موسى "وبعد منتصف الليل بقليل بدأت القوة تصعد في الجانب الجنوبي من الوادي على امل ان تبلغ السهل عند الصباح ثم تتقدم لاحتلال البلدة، في تلك الليلة بدأت معركة الطفيلة لأن البدو والاهلين الذين يلجأون عادة الى دفء الوادي في فصل الشتاء اخذوا ينقضون على اطراف القوة الزاحفة ويوقعون بأفرادها ودوابها هجمات مفاجئة تبعث الارتباك في الصفوف وتؤدي الى وقوع الخسائر".
ويؤكد القوابعة ان الشهداء الكثر في هذه المعركة كانوا من منطقة الطفيلة وحدها، وهم وحدهم من واجهوا الغزاة في هذه المعركة الصعبة الا انه يتابع "تناقل الناس الاخبار، وتوافد مقاتلون اخرون عندما سمعوا بثبات سكان الوادي وتصديهم بجرأة للغزاة فأصبحت منطقة حد الدقيق ميدان معركة بحق وأشكل الامر على القائد حامد فخري اذ كيف يتعامل مع جثث القتلى وطوابيره يثقل عليها المدافعون لدرجة ان بعض الجثث تركت في مواقعها وقام الريفيون بدفنها في الايام التي تلت فبدت هناك مقبرة، اما شهداء اهل المنطقة فكان اخلاؤهم يتم في حينه" .
معركة جبرونة واشتراك رجال عفرا: عندما التحم المدافعون من رجال الطفيلة مع العدو في معركة حد الدقيق وصلت اخبار القتال من سكان ( عيون غزلان) و (الثمد) الى اهل منطقة عفرا الذين تنادوا بأسلحتهم فاتجهوا شرقا والتحقوا بالمدافعين ثم تابعوا صعود القوات التركية الى مرتفعات (جبرونة) يسعفهم في ذلك وعورة الارض وشعابها وصخورها التي اعانتهم في التحصن فاستوقفوا تقدم القوات الاخرى واوقعوا فيها عدة خسائر وان استشهد بعض المدافعين من اهل عفرا، وبدت هذه المعركة التي يسميها البعض بـ (معركة الدعيقة) وكأنها طرف من معركة حد الدقيق .
ويوضح: وبعد ان بدأت القوات التركية تتخلص من مرتفعات وادي الحسا واودية جبرونة بلغ عدد الاسرى مائة جندي وخمسة ضباط التفصيلات تردكم بعده هذه الرسالة تم ابلاغها للأمير فيصل مساء يوم المعركة وقبل احصاء النتائج.
نهاية المعركة والاحتفال بالنصر
اقتربت الشمس من المغيب والغيوم تغطي فضاء الجبال... وكانت لحظات الهزيمة موجعة للعدو يقول الضابط صبحي العمري في كتابه – لورنس كما عرفته-... "شاهدنا الاتراك يلقون بأسلحتهم ويتراكضون والقرويون من خلفهم يقتلون من لم يلق سلاحه ويسلبون ما وصلت اليه ايديهم مما تركوه... ولم يكن امامي شيء افعله لأن الرمي اصبح غير ممكن فالقرويون اختلطوا بالأتراك من كل جانب وخط دفاع العدو انفرط عقده والبدو والقرويون يتعقبون المنهزمين من كل طرف".
ويقول الضابط محمد علي العجلوني في كتابه (ذكريات عن الثورة العربية الكبرى) "وقبل المساء اطبقت خيول العشائر على جنود الفرقة المهاجمة من جهاتها الاربع، واصابت حامد فخري رصاصة في رأسه خر صريعا على اثرها... وتحطمت مقاومة العدو تحت ضغط المهاجمين الشديد عليه، وأبيدت الفرقة ابادة تامة ولم يبق منها الا تسعة وعشرون ضابطا وما يقرب من مائتي جندي استسلموا اسرى وفر افراد الدرك من مشافق المجالي ومحمد بن يحيى المبيضين وما رواه لي البكباشي كنعان احد الضباط الاسرى ان ما لقوه في هذه المعركة اذهلهم وهم الذين خاضوا المعارك في كثير من الجبهات الحربية وكانوا لا يتوقعون ان العرب يستطيعون ادارة الحركات الحربية بمثل هذه المهارة. ومما رواه ان حامد فخري قبل مصرعه بدقائق كان يصرخ بملء صوته قائلا: "ان العرب افسدوا نظام الحرب واورد الضابط الاسير في صدد ذلك كلمه تركية غير جديرة بالذكر يشتم بها العرب".
يتبع.. يتبع
--(بترا)
هـ ح/اح/ س ط
11/4/2016 - 01:20 م
11/4/2016 - 01:20 م
مواضيع:
المزيد من محليات
2026/03/30 | 17:43:56
2026/03/30 | 16:23:47
2026/03/30 | 16:12:20
2026/03/30 | 16:10:33
2026/03/30 | 16:00:29