ازمة المناهج المدرسية: لا نطلب طالبا ذكيا بل التوقف عن جعله غبيا
2018/10/06 | 15:36:09
عمان 6 تشرين الاول- (بترا) - اخلاص القاضي وبشرى نيروخ- على نحوٍ بيِّن، ينخرُ "خللٌ بنيويٌ" التعليمَ المدرسيَ الاردنيَ، منذ سنوات طويلةٍ، على الرُّغمِ من تبني الدولةِ خطط تطوير تربوي، آخرها الاستراتيجية الوطنيــة لتنميــة المــوارد البشــرية 2016 – 2025 وتحمل شعارا براقا هو "التعـــليـــم مــن أجــل الازدهــار". المعطيات العيانية تكشف انحسار التفكير الابداعي بين الطلبة تحت وطأة التلقين الاصم ونزعة التفسير الشخصي للمعلم، للمقررات التعليمية الانسانية. رزمة من المشكلات المعقدة التي تلقي بظلالها على مضامين المناهج المدرسية، التي يصفها خبير تربوي، بانها اسيرة منطلقات ورؤية المعلم الشخصية، خصوصا المقررات الانسانية، ما افضى الى تفشي سطحية واصولية في تفسير الاحداث استتبعت اختطاف فكر النشء الذي يجب صياغته وطنيا بالتحليل العميق. فالمناهج التي عادة تكون ذات مضامين تؤسس قاعدة لفكر ومعرفة النشء في المراحل الاساسية، يقول معنيون انها قاصرة عن مواكبة التطور العالمي العاصف في التعليم في مرحلته الرقمية، لافتين الى ان "اسقاط الشخصي لبعض المعلمين على المنهاج يعني تجاهلا متعمدا لفحواه، ما يؤدي الى ضياع قيم تعليمية وتربوية، تحيل الطلبة الى ضحايا تعيش حالة تشبه الانفصام، او ما يمكن ان يسمى "شيزوفرينيا التعليم". هذا الوصف الذي يبدو اعتلالا، ينطبق وفق خبراء تربويين على مدخلات التعليم ومخرجاته، ما يضع عوائق تحول دون تحقق هدف اعداد جيل متسلح بصنوف المعرفة بذهنية متفتحة ذكية وذات مهارات ابداعية، ترفض التلقين الذي يمسخ وعي النشء.
وتحت سطوة التحولات الرقمية والمعرفية وكثافة ضخ المعلومات كما ونوعا، يصر خبراء على ضرورة اعادة ترتيب بيت المناهج الاردنية، التي من المفترض انها "مصنع الانسان" المدرك لحقائق الكون والرافض للجمود والتلقين، "طالما ان العالم بين يديه بكبسة زر".
ويؤكد الخبراء لوكالة الانباء الاردنية (بترا)، اهمية التركيز على اعتماد مناهج تتضمن الفلسفة والفنون والموسيقى وقيم الجمال والترفيه الخلّاق واحترام الآخر وتقبله وفهمه، اذ لا يجوز مثلا ان يسقط المعلم احتقانه وتطرفه على الطلبة الذين يعتبرونه قدوة لهم ، فينشئ جيلا متطرفا، وعلى النقيض ايضا اسقاط الخلفية البراغماتية المتطرفة، اذ ان روح المناهج يجب ان يصل الى الطلبة وليس وجهة نظر الشخصية. حشو معلوماتي وفي مسح رقمي مقتضب عبر صفحة " فيس بوك " لعينة ناشطين عبروا عن آرائهم حول المناهج، يقول الزميل عدنان الحلبي ، المحرر في احد المواقع الالكترونية، ان بعض المناهج يتضمن اختيار مفردات بالغة الصعوبة تستنزف جهدا ووقتا اضافيين لدى الطلبة في الفهم والتفسير، الامر الذي يتطلب تغييرا شاملا بما يتناسب ومحتوى المادة التعليمية، متسائلا : لماذا يطلب مثلا حفظ اسم الوزراء، والمدراء، اذ ان طبيعة التغيير التي تطرأ على التعيينات تنسف مبدأ حفظ اسمائهم، ولماذا اصلا على الطالبة والطالب، ان يحفظا اسماء في الوقت الذي لا يفيد فيه حشو الذاكرة بمعلومات لا توظف لاحقا في الحياة العملية. الحلبي يسترشد في هذا السياق بحيثية وجود اسم لاحد الشخصيات في مؤسسة حكومية وجرى تغييرها لاحقا، فما كان من الطالب الا وسأل : كيف اضع اسما لشخصية تركت المنصب؟ ، فاجابت المعلمة : ابق على الجواب القديم حسب المنهاج ، حتى يصلنا تعميم آخر بالتغيير! يشير الحلبي في هذا الصدد الى كثافة المعلومات وصعوبتها بمعنى "الحشو" وليس التحفيز على التحليل والتفكير والابداع، لافتا الى ان طرح المواد في وحدات بالغة التخصص يربك الطالب، ويجعله في حيرة من امره بين ضرورة الحفظ الذي لتحصيل العلامة، وصعوبة الفهم اصل. واعتبر ان المناهج بشكلها ومضمونها الحاليين لا تتناسب والتطور العالمي على هذا الصعيد. واذ يقول ان زخم المعلومات الجامدة كان منذ عقود على حساب الموضوعات الحيوية والانسانية التي تعزز قيم الحياة والجمال والفن والثقافة العامة، يتساءل الحلبي: لماذا تحولت المناهج الى التلقين وغاب عنها منطق الجدل واثارة الاسئلة لدى الطلبة؟! الحلبي يشير الى تجارب اوروبية في تقليص عدد الكتب، وتكثيف المناهج التي تحفز الابداع وتنمي بناء الذات لدى الطلبة عبر ما يوصف بـ"التعلم بالطبيعة"، وساق مثالا كأن تكون حصة العلوم الطبيعية في حديقة او غابة، ما يرسخ المعلومة المرتبطة بصورة ذهنية تراكم المعرفة وتحفز الاسئلة الجدلية. رأفت ابراهيم، يعمل في مجال القروض الصغيرة، يقول انه يواجه مشكلة كبيرة اثناء تدريس ولديه، اذ يلحظ كماً وعبئاً في الواجبات على حساب النوعية، "وكأن المطلوب استنزاف وقت الطالب في استظهار نصوص طويلة لا تخدمه على الاطلاق في حياته اليومية, ولا تنمي به روح المغامرة والتجدد؟! ابراهيم يدعو الى التركيز على كل ما يحوّل المدرسة عبر مناهج متطورة الى مكان حيوي يشتاق اليه الطالب، ويشعر وقتئذ بانتماء للمكان الذي يدفع به لطاقات اضافية كانت كامنة حتى وقت قريب بفعل التلقين. ويلفت الى ضرورة التوقف عن طريقة التعليم التي تجعل الطلبة مرعوبين من زخم المادة الصماء المطلوب حفظها لتحصيل العلامة بصفتها هدفا نهائيا لهذه الطريقة، بينما يغيب التراكم المعرفي المحفز.
هيمنة التفسير الشحصي على المنهاج بدوره، يعتقد المعلم السابق والخبير التربوي حنا القنصل، ان الاشكالية تكمن في أن كل معلم ينظّر للطلبة حسب مفهومه الخاص، دون ان يلتزم بما ورد في المنهاج، "وهو ما يسبب انفصاما او ما يمكن وصفه بـ(شيزوفرينيا ) التعليم"، مشيرا الى اهمية الاستثمار الانساني والاقتصادي في التعليم الالزامي، بصفته صناعة للاجيال "ولابد من التقييم والمراجعة المستمرة للمناهج لمواكبة التقدم المعرفي".
القنصل، يعتقد ان منظومة التربية والتعليم بشكلها الحالي لم تعد مثمرة وطنيا، خصوصا "إذا ما لاحظنا سطوة قيم الفساد والجرائم والترهل الاداري في مؤسسات مختلفة". وقال ان هناك غيابا لمفاهيم العدالة الاجتماعية والحرية والوسطية والاعتدال، التي طالما نادى بها جلالة الملك عبدالله الثاني. ويبين القنصل في هذا السياق، اهمية العملية التدريسية ودورها في ترسيخ مفهوم التسامح وبناء الإنسان، معتبرا "ان عطبا ما اصابها، ولابد من إعادة النظر في آليتها ومضمونها من خلال المعنيين والمتخصصين". القنصل تزامل ومئات المعلمين، ودرّس في مدارس كثيرة في اوساط اجتماعية مختلفة، يلحظ "تفشي الاصولية في تفكير بعض المعلمين على حساب الوسطية، ما يخطف فكر الطلبة ويبعدهم عن الابداع وحرية التفكير". وقال ان المعلم الموضوعي والمعتدل هو الركيزة الاساسية في التعليم، وهو مبدأ حيوي في اعادة الحياة لروح النصوص الموضوعة اصلا لمواكبة الجيل وتربيته وتعليمه على اسس خلاقة. واعتبر ان هذه المواصفات في المعلم هي التي تثري قدرة الطلبة على تحويل المعلومات الى معرفة منتجة في الحياة، مستذكرا مقولة تربوية عالمية "ليس علينا العمل لجعل الطلبة أذكياء بل التوقف عن جعلهم أغبياء".
القنصل يعود للتأكيد على ضرورة جعل المنهاج وسيلة تعليمية "مسلية" تعمل على تنمية التفكير في وقت يكون فيه المعلم وسيطا نزيها لايصال الطلبة لمرحلة تحولهم قادرين على النقد والمشاركة والاختلاف وابداء آراء جريئة، داعيا المعلمين الى تجنب اثقال الطلبة بالتعقيدات والتركيز على تعليم الاساسيات الداعمة للنفسية والعقلية والذهنية المحفزة على الابداع.
والحالة كذلك، يذهب القنصل الى ان المعلم لم يعد "مهندسا وضابط ايقاع" يشجع التفاعل الاجتماعي والنفسي لدى الطلبة، اذ لا يصح ان يبقى ملقنا جامدا فحسب. يتبع..................يتبع--(بترا)
ا ق/ب ن/ س ق06/10/2018 12:36:09
وتحت سطوة التحولات الرقمية والمعرفية وكثافة ضخ المعلومات كما ونوعا، يصر خبراء على ضرورة اعادة ترتيب بيت المناهج الاردنية، التي من المفترض انها "مصنع الانسان" المدرك لحقائق الكون والرافض للجمود والتلقين، "طالما ان العالم بين يديه بكبسة زر".
ويؤكد الخبراء لوكالة الانباء الاردنية (بترا)، اهمية التركيز على اعتماد مناهج تتضمن الفلسفة والفنون والموسيقى وقيم الجمال والترفيه الخلّاق واحترام الآخر وتقبله وفهمه، اذ لا يجوز مثلا ان يسقط المعلم احتقانه وتطرفه على الطلبة الذين يعتبرونه قدوة لهم ، فينشئ جيلا متطرفا، وعلى النقيض ايضا اسقاط الخلفية البراغماتية المتطرفة، اذ ان روح المناهج يجب ان يصل الى الطلبة وليس وجهة نظر الشخصية. حشو معلوماتي وفي مسح رقمي مقتضب عبر صفحة " فيس بوك " لعينة ناشطين عبروا عن آرائهم حول المناهج، يقول الزميل عدنان الحلبي ، المحرر في احد المواقع الالكترونية، ان بعض المناهج يتضمن اختيار مفردات بالغة الصعوبة تستنزف جهدا ووقتا اضافيين لدى الطلبة في الفهم والتفسير، الامر الذي يتطلب تغييرا شاملا بما يتناسب ومحتوى المادة التعليمية، متسائلا : لماذا يطلب مثلا حفظ اسم الوزراء، والمدراء، اذ ان طبيعة التغيير التي تطرأ على التعيينات تنسف مبدأ حفظ اسمائهم، ولماذا اصلا على الطالبة والطالب، ان يحفظا اسماء في الوقت الذي لا يفيد فيه حشو الذاكرة بمعلومات لا توظف لاحقا في الحياة العملية. الحلبي يسترشد في هذا السياق بحيثية وجود اسم لاحد الشخصيات في مؤسسة حكومية وجرى تغييرها لاحقا، فما كان من الطالب الا وسأل : كيف اضع اسما لشخصية تركت المنصب؟ ، فاجابت المعلمة : ابق على الجواب القديم حسب المنهاج ، حتى يصلنا تعميم آخر بالتغيير! يشير الحلبي في هذا الصدد الى كثافة المعلومات وصعوبتها بمعنى "الحشو" وليس التحفيز على التحليل والتفكير والابداع، لافتا الى ان طرح المواد في وحدات بالغة التخصص يربك الطالب، ويجعله في حيرة من امره بين ضرورة الحفظ الذي لتحصيل العلامة، وصعوبة الفهم اصل. واعتبر ان المناهج بشكلها ومضمونها الحاليين لا تتناسب والتطور العالمي على هذا الصعيد. واذ يقول ان زخم المعلومات الجامدة كان منذ عقود على حساب الموضوعات الحيوية والانسانية التي تعزز قيم الحياة والجمال والفن والثقافة العامة، يتساءل الحلبي: لماذا تحولت المناهج الى التلقين وغاب عنها منطق الجدل واثارة الاسئلة لدى الطلبة؟! الحلبي يشير الى تجارب اوروبية في تقليص عدد الكتب، وتكثيف المناهج التي تحفز الابداع وتنمي بناء الذات لدى الطلبة عبر ما يوصف بـ"التعلم بالطبيعة"، وساق مثالا كأن تكون حصة العلوم الطبيعية في حديقة او غابة، ما يرسخ المعلومة المرتبطة بصورة ذهنية تراكم المعرفة وتحفز الاسئلة الجدلية. رأفت ابراهيم، يعمل في مجال القروض الصغيرة، يقول انه يواجه مشكلة كبيرة اثناء تدريس ولديه، اذ يلحظ كماً وعبئاً في الواجبات على حساب النوعية، "وكأن المطلوب استنزاف وقت الطالب في استظهار نصوص طويلة لا تخدمه على الاطلاق في حياته اليومية, ولا تنمي به روح المغامرة والتجدد؟! ابراهيم يدعو الى التركيز على كل ما يحوّل المدرسة عبر مناهج متطورة الى مكان حيوي يشتاق اليه الطالب، ويشعر وقتئذ بانتماء للمكان الذي يدفع به لطاقات اضافية كانت كامنة حتى وقت قريب بفعل التلقين. ويلفت الى ضرورة التوقف عن طريقة التعليم التي تجعل الطلبة مرعوبين من زخم المادة الصماء المطلوب حفظها لتحصيل العلامة بصفتها هدفا نهائيا لهذه الطريقة، بينما يغيب التراكم المعرفي المحفز.
هيمنة التفسير الشحصي على المنهاج بدوره، يعتقد المعلم السابق والخبير التربوي حنا القنصل، ان الاشكالية تكمن في أن كل معلم ينظّر للطلبة حسب مفهومه الخاص، دون ان يلتزم بما ورد في المنهاج، "وهو ما يسبب انفصاما او ما يمكن وصفه بـ(شيزوفرينيا ) التعليم"، مشيرا الى اهمية الاستثمار الانساني والاقتصادي في التعليم الالزامي، بصفته صناعة للاجيال "ولابد من التقييم والمراجعة المستمرة للمناهج لمواكبة التقدم المعرفي".
القنصل، يعتقد ان منظومة التربية والتعليم بشكلها الحالي لم تعد مثمرة وطنيا، خصوصا "إذا ما لاحظنا سطوة قيم الفساد والجرائم والترهل الاداري في مؤسسات مختلفة". وقال ان هناك غيابا لمفاهيم العدالة الاجتماعية والحرية والوسطية والاعتدال، التي طالما نادى بها جلالة الملك عبدالله الثاني. ويبين القنصل في هذا السياق، اهمية العملية التدريسية ودورها في ترسيخ مفهوم التسامح وبناء الإنسان، معتبرا "ان عطبا ما اصابها، ولابد من إعادة النظر في آليتها ومضمونها من خلال المعنيين والمتخصصين". القنصل تزامل ومئات المعلمين، ودرّس في مدارس كثيرة في اوساط اجتماعية مختلفة، يلحظ "تفشي الاصولية في تفكير بعض المعلمين على حساب الوسطية، ما يخطف فكر الطلبة ويبعدهم عن الابداع وحرية التفكير". وقال ان المعلم الموضوعي والمعتدل هو الركيزة الاساسية في التعليم، وهو مبدأ حيوي في اعادة الحياة لروح النصوص الموضوعة اصلا لمواكبة الجيل وتربيته وتعليمه على اسس خلاقة. واعتبر ان هذه المواصفات في المعلم هي التي تثري قدرة الطلبة على تحويل المعلومات الى معرفة منتجة في الحياة، مستذكرا مقولة تربوية عالمية "ليس علينا العمل لجعل الطلبة أذكياء بل التوقف عن جعلهم أغبياء".
القنصل يعود للتأكيد على ضرورة جعل المنهاج وسيلة تعليمية "مسلية" تعمل على تنمية التفكير في وقت يكون فيه المعلم وسيطا نزيها لايصال الطلبة لمرحلة تحولهم قادرين على النقد والمشاركة والاختلاف وابداء آراء جريئة، داعيا المعلمين الى تجنب اثقال الطلبة بالتعقيدات والتركيز على تعليم الاساسيات الداعمة للنفسية والعقلية والذهنية المحفزة على الابداع.
والحالة كذلك، يذهب القنصل الى ان المعلم لم يعد "مهندسا وضابط ايقاع" يشجع التفاعل الاجتماعي والنفسي لدى الطلبة، اذ لا يصح ان يبقى ملقنا جامدا فحسب. يتبع..................يتبع--(بترا)
ا ق/ب ن/ س ق06/10/2018 12:36:09