ندوة في (بترا) تدعو لتخصيص مساقات جامعية عن قيم الثورة العربية الكبرى ومبادئها
2016/03/30 | 13:09:47
عمان 31 اذار (بترا) مؤيد حباشنة- ناقشت ندوة عقدت في وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، الدور الذي لعبته الثورة العربية الكبرى في استقلال العرب، ونشأة الدولة الدستورية في الشرق العربي، وذلك ضمن سلسلة الندوات والفعاليات التي تعقد بمناسبة مئوية الثورة.
ودعا الباحثان المؤرخ الدكتور يوسف الغوانمة والمؤرخ الدكتور سليمان البدور خلال الندوة التي ادارها مدير عام وكالة الانباء الاردنية (بترا) الزميل فيصل الشبول، إلى تخصيص مساقات في الجامعات عن الثورة العربية الكبرى وانجازاتها وقيمها، ضمن أسس علمية ومنهجية، وكذلك تشكيل لجنة على مستوى الاردن تضم مفكرين وكتابا وفلاسفة تتولى اعادة النظر في القيم والمبادئ التي حملتها الثورة التي ما زالت تنير درب العروبة من مشرق العرب إلى مغربهم رغم كل الارهاصات الوحدوية.
واعتبر المفكران ما يحصل في الوطن العربي وكل هذه الحركات والانتفاضات هي امتداد فكري وزخم معنوي وتجسيد عملي للروح القومية والوطنية التي زرعتها في النفوس ورسختها في الاذهان تلك الثورة المباركة، وذاك الصدى الاول للرصاصة الاولى التي اطلقها الشريف الحسين بن علي.
وعلق المؤرخ الدكتور يوسف غوانمة بقوله، عندما يشعر أي شعب من الشعوب بالغبن والظلم والاستبداد، يرنو إلى التغيير الى الافضل نحو التطور والتحديث والحرية، لاستقلال الانسان والوطن والعقل، ونبذ الاستبداد والسيطرة والاستبعاد، والتطلع نحو العلم والتعلم واللحاق بركب الحضارة ومنجزاتها والمساهمة في الحضارة الانسانية وتقدمها.
وقال ان الشعب العربي تطلع إلى النهضة بمعناها الواسع في كل مجال، ذلك ان كل عمل كبير في أي أمة من الامم يحتاج الى قائد، ورأى مفكرو الامة العربية وزعماؤها ومثقفوها وروادها في دمشق وبيروت وبغداد والقدس، أن الاكثر تأهيلا لقيادة هذه النهضة هو شريف مكة الحسين بن علي، فتوجهت الأنظار اليه، فارسلوا يطلبون منه قيادة الامة نحو العصرنة والتحرر.
واشار الى رغبة العرب في التحرر، بعد ما شاهده الشريف حسين، وما وقع على العرب من جهل وفقر وتخلف وظلم واستبداد وشنق أحرار العرب في دمشق وبيروت على يد جمال باشا السفاح، إضافة الى ما شرحه الامير فيصل والامير عبدالله من مشاهداتهما في اسطنبول ودمشق، ورغبة أحرار الامة في الانعتاق من هذا القيد، كل ذلك جعل الشريف حسين يتسلم القيادة الامة العربية نحو النهوض والتقدم والحرية والاستقلال والوحدة.
وتابع .. "ولما كان الاتحاديون الطورانيون يعملون على إجهاض أي عمل عربي، كان لا بد من الثورة كي تحقق الأمة ما تريد، من حرية واستقلال ووحدة وحياة فضلى، مؤكدا أنها مطالب محقة في عالم بدا يتطلع نحو الاستقلال والتطور وتحقيق امال الشعوب، فكان انفصال البلقان عن الدولة العثمانية على اساس قومي، ثم بروز حركات تحرر في أنحاء مختلفة في اوروبا، وبالذات ما حدث في روسيا القيصرية، كل هذه العوامل أدت الى الثورة العربية في 10 حزيران 1916، أي قبل مائة سنة من الان.
ودعا الغوانمة المفكرين العرب وكتابها ومنظريها وفلاسفتها وساستها إلى وقفة مع الضمير، لاعادة تقييم الثورة العربية الكبرى، على أسس علمية منطقية حيادية حسب ظروف الزمان والمكان، ضمن الحقائق التاريخية، فكل حدث في التاريخ لا بد ان يتاثر بالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبشرية التي ترافق حدوثه وتحدد مصيره وتقرر الحكم عليه.
وقال "حتى يكون حكمنا سليما بعد مئة عام من قيام هذه الثورة علينا أن نطرح بعض الاسئلة والجواب عليها".
وتساءل عن كيفية حالة العرب في ذلك الوقت، وما هية درجة وعيهم القومي، وهل فهم العرب آنذاك أهداف الحركة الصهيونية العالمية وأساليبها القذرة للوصول الى اهدافها، وهل كانت لدى الزعامات العربية آنذاك معرفة بآهداف الحلفاء الاستعمارية وخياناتهم، وهل كانوا على دراية بالدبلوماسية وكواليسها وأكاذيبها؟.
كما تساءل، ألم يكن من الامور النادرة أن تقوم ثورة في أمة جاهلة فقيرة متخلفة، عاشت في عزلة تحت حكم استبدادي جامد مدة 400 سنة، اليست معجزة بان تكون هناك ثورة.
واكد أن الأمة ثارت وحاربت وضحت وقدمت الشهداء، ولكنها قسمت وجزئت، ورغم كل ذلك أبرزت القضية العربية إلى حيز الوجود في ميدان السياسة العالمي، وانتزاع اعتراف الدول الكبرى بمطالبها، وجعلت من كل ذلك نقطة انطلاق نحو المستقبل، وقاومت الاستعمارين البريطاني والفرنسي، ورفضت بعنف وعد بلفور واكدت على عروبة فلسطين واستقلالها.
واوضح أن الثورة العربية أدخلتنا في معركة النهوض القومي، فتعلمنا ودخلنا نادي الامم المتقدمة بالعلم والتكنولوجيا والاداب والاقتصاد والصناعة، وفي كل صفوف المعرفة وأسسنا جيوشا وطنية عريقة يحسب العدو حسابها، وأقمنا صحافة واعلاما بكفاءات وطنية متميزة، وكونا أنظمة دستورية في بلادنا العربية، تماما كما عبر عن ذلك الملك عبدالله الاول في مذكراته فقال "فهو حكم من الامة للامة، فرئيس الدولة سواء اكان ملكا ام رئيسا للجمهورية فهو لا يحكم حكما مباشرا او حكما استبداديا او ديكتاتوريا، بل يحكم حكما دستوريا نيابيا وعليه ان يختار رئيس الاكثرية الحزبية، فيكلفه بان يشكل هيئة الوزارة والحكومة والحالة هذه تحكم بالقوانين التي اقرها نواب الدولة من قبل والتي تسنها بعد ذلك".
واكد أن ذلك حدث في الاردن على يد الملك عبدالله، وحدث في العراق على يد الملك فيصل بن الحسين، كما حدث فيما بعد وفي كل من سوريا ولبنان، بعد ان نالا الاستقلال من الاستعمار الفرنسي.
واضاف "إننا في الاردن قمنا بالاصلاحات الدستورية، في عهد الملك عبدالله الثاني، التي تؤدي الى حكم الشعب بالشعب وهي قمة الديمقراطية العالمية، ونحن سائرون اليها بروية وثبات، وإن تعثر أو تأخر غيرنا من اخواننا العرب، لكنهم سيعملون الى ما تريده شعوبهم، والشعوب تطلب الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وحقوق الانسان والعيش في أمن وسلام واطمئنان".
وقال ان الحسين بن علي نموذج حي يجب أن تبقى ذكراه في افئدتنا وعقولنا وأن نتدارس موقفه بعقلانية وتجرد، فقد كان ملكا وثائرا، داعيا الى استحداث مساق في الجامعات في أقسام التاريخ عن الثورة العربية الكبرى وانجازاتها وقيمها، ضمن أسس علمية ومنهجية.
وطالب بتشكيل لجنة على مستوى الاردن تضم مفكرين وكتابا وفلاسفة تتولى اعادة النظر في قيم الثورة العربية الكبرى ومبادئها، وتكتب بخطاب علمي جديد موضوعي ومنهجي ليصار الى تدريسها في المدارس والجامعات عبر كتاب جديد يحمل اسم الثورة العربية الكبرى، باعتبار ان هذه منجزات عربية، لتكون نبراسا للاجيال، فهي ثورة انسانية.
واستذكر أفكار الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه، وطموحاته بان تكون هناك صحيفة عربية دولية تطبع في عمان ولندن وتكون منبرا للاقلام الاردنية والعربية، مؤكدا ان الوحدة العربية أمل وهدف يجب ان يكون راسخا في ضمير كل انسان عربي.
واسترجع المؤرخ الدكتور سليمان البدور، بدايات الثورة العربية الكبرى، عندما تولى الشريف الحسين بن علي شرافة مكة والحجاز عام 1908، ومنذ ان بدا عهده شريفا لمكة شرع بالاتصال بقبائل الجزيرة المحيطة بالحجاز، وعلمت السلطات التركية بتحركاته وبدات مراقبته، حيث حصل أول انقسام بين العرب والاتراك في الانتخابات التي جرت للبرلمان العثماني الجديد بعد اعلان الدستور في 24 تموز 1908، إذ تحيز الاتراك لبعضهم مع ان الاحصاءات السكانية التقريبية تشير الى كثرة العرب، فقد كان عددهم عشرة ملايين ونصف مقابل سبعة ملايين ونصف من الاتراك، واربعة ملايين للقوميات الاخرى،ورغم ذلك حصل العرب على 60 مقعدا مقابل 150 للاتراك من أصل 245 مقعدا، وكان للعرب في مجلس الشيوخ (الاعيان) ثلاثة مقاعد من مجموع اربعين مقعدا.
بتاريخ 14 شباط 1911 - 12 صفر 1329 هـ ، تسلم الشريف الحسين بن علي رسالة من طالب النقيب مندوب البصرة في مجلس النواب تحمل تواقيع 35 نائبا عربيا ابدوا استعدادهم للثورة تحت لوائه للتخلص من الاستبداد والاستعباد، واعترافهم بانه المسؤول عن مصالح البلاد العربية.
وقال الدكتور البدور، كان لا بد لاي حركة ثورية عربية من حليف ليدعمها فقام الشريف الحسين بنوعين من الاتصال، الاول مع الجمعيات السياسية العروبية وكل التنظيمات التي بدات تعمل سرا في سبيل التحرر من السيطرة العثمانية، ومركز هذه الجمعيات كلها تقريبا في دمشق وبيروت، وكان الاتصال عبر نجله الامير فيصل، وكان الاتصال الثاني مع بريطانيا عبر نجله الامير عبدالله واللورد كنشنر والسير هينري مكاهمون المندوب السامي البريطاني في مصر وجرى اول اتصال في اب 1914.
اسفرت اتصالات الامير فيصل بالمواطنين في بلاد الشام والعراق عن بروتوكول (ميثاق) دمشق 1914 حيث اعطى زعماء جمعيتي الفتاة والعهد، الامير فيصل بن الحسين خريطة تُعين حدود الدولة العربية المطلوبة، وطلبوا منه أن يفاوض الشريف الحسين الانكليز على اساس هذه الحدود: من مرسين في الشمال الى الخليج العربي وجنوبا المحيط الهندي وغربا البحر الاحمر.
وتابع... ان رسالة الشريف الحسين الاولى للسير هنري مكماهون كانت في 14 تموز 1915 اجاب عليها مكماهون في 30 اب 1915 وفي الجواب حرفيا (استقلال بلاد العرب وسكانها مع استصوابنا للخلافة العربية عند اعلانها)، لافتا أنه خلال شهر ايار 1916 كان الامير فيصل في دمشق للتواصل مع عناصر الثورة في بلاد الشام والعراق، وكان جمال باشا السفاح قد كشف عددا من قيادتهم وحكم عليهم بالاعدام، ولم يفد التماس الامير فيصل بالعفو عنهم، وتدخل الشريف الحسين لمنع تنفيذ الاعدام يوم 6 ايار 1916 بسبعة وطنيين في دمشق و14 في بيروت بتهمة العمل على فصل سوريا وفلسطين والعراق عن الدولة التركية، ولكن ما ان راى الامير فيصل مشهد الاعدام حتى صاح صيحته المشهورة "طاب الموت يا عرب" وتحرك الشريف الحسين وأعلن الثورة.
وقال ان الثورة العربية الكبرى جمعت كل الوان الطيف العربي، إذ يقول المؤرخ السوري عبدالكريم رافت "ان تاثير الثورة على الفكرة القومية لا ينوفه شيء في عظمته.. فقد اثارت مشاعر العرب كلهم حتى أن طبقات الشعب التي لا تمارس أي نشاط وطني حتى ذلك الحين، بدأت تشعر بالفكرة القومية، وابتهجت بانباء الانتصارات العربية في الداخل، وعلى هذا لم تعد الحركة مقتصرة على الطبقات المثقفة وحدها، ومن ذلك التاريخ اخذت الفكرة القومية تعم وتنتشر واصبحت حتى الدول الكبرى تحسب لها حسابا".
واكد أن الاضواء المعنوية لهذه الثورة التاريخية، ما زالت تنير درب العروبة من مشرق العرب إلى مغربهم وكل الارهاصات الوحدوية والمحاولات، التي تمت بما فيها اتفاقات التعاون والتعاضد والدفاع المشترك والامن والضمان الجماعي، وتأسيس جامعة الدول العربية على تواضعها، مرورا بثورات الاستقلال والتحرر التي انطلقت في العالم العربي وما تزال تتفاعل حتى في ما سمي بالربيع العربي مؤخرا، كل هذه الحركات والانتفاضات هي امتداد فكري وزخم معنوي وتجسيد عملي للروح القومية والوطنية التي زرعتها في النفوس ورسختها في الاذهان، تلك الثورة المباركة وذاك الصدى الاول للرصاصة الاولى التي اطلقها الشريف الحسين بن علي.
وقال "نحن في الاردن وبالنظام الهاشمي المستقر والمعتدل بالحكمة والشجاعة، نتفيأ ظلال منجز من أهم منجزات تلك الثورة العظيمة"، داعيا الى اعادة الحقائق للقارىء العربي والعودة إلى تاريخ الثورة الحقيقي من قبل مؤرخين من داخل الاردن وخارجه ووسائل اعلامنا المختلفة.
وأكد ان الاردن امتداد سياسي للثورة العربية الكبرى، معتبرا ان الوحدة العربية هي بعروبة الثقافة وليست عروبة العرق، وان تحقيقها يحتاج الى تجانس الانظمة السياسية ضمن مصلحة واحدة مشتركة سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية.
--(بترا)
م ح / ح خ/ خ