مقالة للأمير الحسن حول الدروس المُستقاة من الاستقلال
2012/05/27 | 00:11:47
عمان 26 أيار (بترا)-قال سمو الامير الحسن بن طلال في مقالة بعنوان "الاستقلال المجيد ... ذكرى عطرة ... الدلالات والدروس المُستقاة لصنع مستقبل أجيالنا" ان ذكرى الاستقلال تحمل معانٍ ودلالات تَفرض علينا التوقف عندها لاستكمال الأهداف الحقيقيّة لأولئك الذين ضحوا بالغالي والنفيس لإنجاز الاستقلال.
وفيما يلي نص مقالة سمو الامير الحسن:
مرت أول أمس ذكرى الاستقلال الأردني المجيد. وبقدر ما لهذه المناسبة من احترام وإجلال لدى أبناء المجتمع الواحد، فإنها تحمل معانٍ ودلالات تَفرض علينا التوقف عندها، كي لا يُقتصر الاحتفال بهذه المناسبة على الجوانب الرمزية التقليدية فقط، وإنما إعطاء المناسبة القيمة التي تستحقها واستخلاص الدروس التي تُعيننا على رسم مستقبلنا، بهدف استكمال الأهداف الحقيقيّة لأولئك الذين ضحوا بالغالي والنفيس لإنجاز الاستقلال.
لقد كان يوم 25 أيار/ مايو 1946 مناسبة وطنية شهدت صياغة وتوقيع وثيقة إعلان الاستقلال من قبل مؤسسي الدولة الأردنية الحديثة، إذ كان الاستقلال وقتها يعني لنا التحرر من سيطرة الآخر، والتحرر من التبعية، أو وطأة نفوذ الآخرين، وأن نعفي أنفسنا من زل الاعتماد عليهم، وإدارة شؤوننا الخاصة دون أي تدخل، وأن نسخر كافة الوسائل للحصول على سبل العيش بكرامة. وهذا هو السبب الذي يدعونا لاستدعاء هذه المناسبة ونسميها "يوم الاستقلال"، ونجعلها عيد نحتفل به كل عام.
إنها ليست فقط في الخامس والعشرين من أيار/ مايو، إنها ليست مجرد تبادل التهاني والتبريكات، إنها ليست فقط في اليوم الذي نأخذ فيه عطلة رسمية عن العمل، إنها عيد الاستقلال، وقد سميت بهذا الاسم لأنه في هذا التاريخ من عام 1946، تحقق حلم الحرية. وهو لم يكن فقط تاريخا لولادة للحرية في ذلك اليوم، بل كان تاريخ ولادة الحرية في جميع الأيام. وهذا هو السبب الذي يجب علينا تأكيده عندما نتداعى للاحتفال بهذه المناسبة، مع ضرورة إبراز التجليات الحقيقية لمعاني هذا الاستقلال في حياة الناس.
إن الاستقلال يعني الاختيار الحرّ لتمكين أنفسنا من أداء الواجب، وأخذ الحقوق، والحفاظ على الحرمات، ويعني أن لدينا حرية في المشاركة ومتابعة الخيارات الشخصية، بقصد التعلم، والنمو، واكتساب الحكمة، مع الاستعداد الكامل لمواجهة النتائج المترتبة على تلك الخيارات، أي أن الاستقلال يعني جدية السعي الفردي والجماعي لخلق مجتمع تتوفر فيه شروط العدل وقيم المساواة، لأن الاستقلال الحقيقي يعني الإعتراف بأن كل واحد منا لديه الحق في التفكير والمعتقد، ولديه الحق في التعلم، لتقديم أفضل ما عنده لمصلحته ورفاه المجتمع من حوله.
والحكمة تقتضي أن علينا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تعزيز استقلال بلادنا من خلال تحرير أنفسنا من سجن الفردانية وتبني الحقائق الجامعة، وبالتالي تحرير أنفسنا من قيود الخلاف. لأن الاستقلال يعني الحرية في فصل أنفسنا عن الأطماع الشخصيّة، وتحدي أنفسنا فكريا لمعرفة النطاق الكامل للواجبات المنوط بنا إنجازها من أجل إيجاد حلول حقيقيّة بالنسبة للحاضر والمستقبل، وعلى أساس ما فيه خير المجتمع كله.
ولعل من محاسن الصدف أن تتزامن ذكرى الاستقلال مع انعقاد مؤتمر "منتدى غرب آسيا وشمال إفريقيا الذي سيبحث يومي 29-30 من هذا الشهر، وبمشاركة منتدى الفكر العربيّ، موضوع الهوية والمواطنة. فلا شكَّ أن الاستقلال والمواطنة صنوان لا ينفصلان، وبالتالي لا يمكن الحديث عن الاستقلال وديمومته دون تحقيق مفهوم المواطنة التي تشكل حاضنة رصينة للهوية.
وعند الحديث عن الاستقلال الوطني فإننا نعني به الاستقلال في إطار النهضة في مختلف ميادين الحياة، وكما كان يراها روّاد النهضة الأوائل قبل 150 عاماً، وقبلهم أب الثورة العربية الإسلامية الأولى سيد الكائنات محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم.
ولكي نُعين أنفسنا على استذكار ما ينبغي التوقف عنده من معاني ودلالات الاستقلال، الذي كان ثمرة الثورة والنهضة التي لا تغيب عنا، فإن هموم المواطن وأحلامه التي نشترك بها جميعاً، ينبغي أن تكون هاجساً جماعياً في معالجة المشكلات التي نواجهها؛ كالفقر والمساواة والمشاركة والإنصاف والعدالة الاجتماعيّة وغيرها. فهذه الهموم كانت نفسها التي ثار من أجلها ثوار النهضة وقادتها لبناء أمة عربيّة بهويّة واحدة جامعة... هوية حاضنة للمواطنة التي يتساوى فيها الجميع في إطار دولة القانون والمواطنة، مهما تعددت أطياف المجتمع دينيّة كانت أم عرقيّة أو مذهبيّة. وهنا أستذكر مقولة كان يرددها أخي الراحل الكبير الحسين بن طلال طيّب الله ثراه، في تفسيره لسورة النصر: بسم الله الرحمن الرحيّم "إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا." صدق الله العظيّم. فالنّاس هنا لا يتشاركون في الإيمان وفق أسس ومعايير حزبيّة، وإنما على أسس إنسانية رحبة لا تُفرّق بين بني البشر عامة، فكيف يكون الأمر عندما يتعلق بمصير ومستقبل أبناء الشعب الواحد الذي يشتركون في المنابت والأصول ويتساوون في الحقوق والواجبات.
يتبع.....يتبع
--(بترا)
م ع/ح أ
26/5/2012 - 09:05 م
26/5/2012 - 09:05 م
مواضيع:
المزيد من محليات
2025/08/14 | 01:34:59
2025/08/14 | 00:16:32
2025/08/14 | 00:07:30
2025/08/13 | 23:38:45
2025/08/13 | 23:25:57