كتاب ونقاد يعاينون حضور الرواية الأردنية عربيا
2023/06/25 | 00:30:36
عمان 24 حزيران(بترا)- عاين كتاب ونقاد وباحثون أردنيون وعرب حضور الرواية الأردنية عربيا، في ملتقى السرد الأردني الأول الذي نظمه مختبر السرديات الأردني، بالتعاون مع مؤسسة عبد الحميد شومان، اليوم السبت، في منتدى شومان الثقافي بعمان.
وأكدوا، في الملتقى الذي حمل في دورته الأولى عنوان: "حضور الرواية الأردنية عربيا"، أن الرواية الأردنية التي شهدت أولى تمظهراتها عام 1912 برواية عقيل أبو الشعر "الفتاة الأرمنية في قصر يلدز" وكانت صدرت باللغة الفرنسية في باريس، لم تغب عن الساحة العربية منذ أربعينيات القرن الماضي، وتشهد في العقد الأخير من القرن الحالي صعودا لافتا في حضورها العربي.
كما نبهوا إلى أهمية الترجمة ودورها في نشر الرواية الأردنية عالميا، لافتين إلى أهمية تكثيف الدراسات الأكاديمية حول الرواية الأردنية.
وفي الجلسة الافتتاحية للملتقى الذي شهد حضورا نوعيا وعدديا من الكتاب والأكاديميين والمثقفين، ألقى رئيس مختبر السرديات الروائي والكاتب المسرحي مفلح العدوان كلمة لفت فيها إلى أن هاجس المختبر في هذا الملتقى معاينة واقع الرواية الأردنية، وما حققته من حضور على المستوى العربي، إن كان على مستوى النقد، أو تناولها في البحث والرسائل الجامعية، أو فوز كتابها بالجوائز العربية والعالمية، بالتوازي مع مقرؤيتها خارج حدود الأردن، بعد أن راكمت منذ جيل الرواد في الكتابة الروائية، مرورا بأسماء وعناوين كثيرة، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.
وأشار إلى أن هذا التراكم من الإنجازات التي حققتها الرواية الأردنية، لتنافس على المستوى العربي، كان بإبداعات وجهود مبدعين وروائيين أردنيين طوروا من أدواتهم وأساليبهم الكتابية، ليكونوا جزءا من الرواية العربية الجديدة، حيث تجرأوا في المغامرة والتجريب، مع توصلهم مع التراث السردي والهوية العربية الحضارية، وقدموا الأفكار والتأملات والرؤى في الواقع والإنسان بكل صراعاته الداخلية والخارجية، وصاغوها بأشكال وقوالب مبدعة لافتة وخلّاقة.
واستذكر العدوان روائيين أردنيين كانت لهم مساهمات على خريطة الرواية العربية، بدءا من عقيل أبو الشعر الذي كانت أولى أعماله الروائية (الفتاة الأرمنية في قصر يلدز) عام 1912، لتكون من أوائل الروايات العربية، وروكس العزيزي في روايته (أبناء الغساسنة وإبراهيم باشا) الصادرة عام 1937، وفي الأربعينيات من القرن الماضي تحضر رويات كتبها (تيسير ظبيان، وشكري شعشاعة، وعبد الحليم عباس، وعيسى الناعوري، وحسني فريز).
ولفت إلى أن مرحلة الستينيات شهدت النضوج الفني للرواية الأردنية، وربما يبنى عليها التأسيس الحقيقي شكلا ومضمونا، حين يكون استحضار "أنت منذ اليوم" لتيسير سبول، و"الكابوس" لأمين شنار، و"أوراق عاقر" لسالم النحاس" و"الضحك" لغالب هلسا"، وفي السبعينيات الرواية اللافتة لفؤاد القسوس "العودة إلى الشمال" عام 1977.
وقال إن الحضور النوعي والكمي للرواية الأردنية، يعكس منتج أجيال من المبدعين الذين قدموا تلك الإبداعات على اختلاف مستوياتها، وهذا المنتج الروائي يُحمل المؤسسات الثقافية والنقدية والأكاديمية والإعلامية في الأردن مسؤولية معاينتها، وتقديمها، وترويجها، والالتفات إليها، ونقدها وقراءتها.
ودعا العدوان المؤسسات الثقافية ووزارات الثقافة، والتربية والتعليم والتعليم العالي، والشباب إلى أن تخطوا خطوة إيجابية لدعم وتقديم الأدب الأردني عامة، والرواية الأردنية خاصة، لتكون جزءا من برامجها، ومناهجها، ولتكون حاضرة لدى الطلبة والشباب ولدى مختلف شرائح المجتمع، وقطاعات الوطن.
من جهته، ألقى كلمة مؤسسة شومان مدير منتدى شومان الثقافي والبرامج الثقافية والجوائز في المؤسسة، الكاتب موفق ملكاوي، قال فيها "نستطيع على ضوء هذا الملتقى أن نختبر ليس حضور الأدب فقط، بل الفاعلية الثقافية والإعلامية الأردنية أيضا، ومدى قدرتهما على الحضور في الساحات العربية الأخرى، وتقديم المنتج المحلي بما يليق به من ألق وزهو".
ونوه بالشراكة مع المختبر وجهوده بإقامة هذا الملتقى الذي يأخذ على عاتقه دراسة النماذج السردية الأردنية ومحاولة رسم خطوط الالتقاء بينها، فضلا عن مقارنتها بالسرديات العربية، والتأشير على الفرادة والاختلاف في كل منهما وهو ما يشي بوجود مشروع ثقافي حقيقي لدى القائمين على هذا المختبر.
وفي الجلسة الأولى التي ترأسها القاص مخلد بركات، استعرض الناقد الدكتور زياد أبو لبن في ورقته المعنونة "الرواية الأردنية.. رؤيا استشرافية، النشر انموذجا"؛ محددات حضور الرواية الأردنية عربياً، والعوامل التي أسهمت في انتشارها عربياً، ومنها؛ حركة النشر، وحركة الترجمة، الجوائز العربية، الملتقيات والمؤتمرات والندوات، والدراسات النقدية، والمعارض الدولية للكِتاب، والمجلات الثقافية، وشبكات الاتصال والتواصل، والهيئات والمنتديات والروابط والاتحادات الثقافية، وهجرة المثقفين والكتّاب من أقطار عربية للأردن ومنها كمثال على ذلك العراق.
وأشار إلى أن نشاط الحركة الثقافية في الأردن قد بدأ بشكل لافت للنظر مع الألفية الثالثة، أي ما بعد عام 2000، إذ فرضت الرواية الأردنية نفسها على باقي الأجناس الأدبية، في الوقت الذي تراجعت فيه تلك الأجناس من شعر وقصة ومسرحية وغيرها أمام الرواية.
وهذا التراجع، بحسب أبو لبن، مردّه ليس إلى النشر التراكمي، وإنما إلى اهتمام القارئ والناشر معاً، وفيما يبدو على المستوى الكميّ إنّ ما نُشر من روايات بعد عام 2000 يعادل إن لم يزد عمّا نُشر من روايات قبل عام 2000، منذ صدور رواية عقيل أبو الشعر (الفتاة الأرمنية في قصر يلدز) عام 1912، بوصفها الرواية الأردنية الأولى، مشيرا إلى أنه صدر في عقد واحد 700 رواية أردنية ما بين عام 2007 وعام 2018.
وأشار إلى حركة التواصل المبكرة بين المثقفين والمبدعين العرب، لمسار الرواية الأردنية وانتشارها عربياً منذ بواكير نشأتها، مبينا أن النشر خارج الأردن أسهم في حضور الرواية عربياً.
وقال إن الثقافة كانت تشكل وحدة حال في فلسطين والأردن، ولهذا من الصعوبة بمكان فصل العلاقة بين منتجي الثقافة في الأردن وفلسطين، موضحا أن تحديد هوية الكتابة يخالطه بُعد تاريخي بين القطبين اللذين تشكلا في كيان سياسي واجتماعي وثقافي واحد، فما يُنشر في القدس يقابله نشر في عمّان.
وفي هذا الإطار، أشار إلى رواية الكاتب محمد عزة دروزة "وفود النعمان على كسرى أنو شروان الضحية" التي صدرت في القدس عام 1912، ورواية الكاتب عبد الحليم عباس "فتاة فلسطين" في عمّان عام 1949، ورواية الكاتب محمد أمين الكيلاني "واقعة وادي موسى" في حلب عام 1920، وروايته الثانية "علي بك الكبير" في حماة عام 1928.
وقال إن النشر انحسر في بلاد الشام والعراق وبعض دول الخليج ومصر، ولم تنفتح نافذة النشر على دول المغرب العربي وليبيا حتى عام 1972، مشيرا إلى أن الشاعر والروائي خالد محادين نشر روايته "الشرايين الصدئة" في طرابلس ليبيا عام 1972، ثم توالى النشر في عدد من الأقطار العربية حتى نهاية الألفية الثانية بصدور 5 روايات عام 2000 في بيروت، ثم توسّع النشر في الوطن العربية في الألفية الثالثة.
واستعرض أبو لبن عدد ما صدر من روايات في فلسطين والأردن حسب العقود العشرية، متكئا على بيبلوغرافيا الرواية في فلسطين والأردن في القرن العشرين للدكتور شكري عزيز الماضي، بدءا من الفترة (1911-1920) والتي صدرت فيها 8 روايات، وصولا إلى الفترة (1991-2000) والتي صدرت فيها 185رواية، مبينا أن مجموع ما صدر في الحقبة الزمنية منذ عام 1911 لغاية عام 2000 بلغ 630 رواية.
كما استعرض ما صدر من الروايات الأردنية خارج الأردن وفلسطين في عقود عشرية منذ الفترة (1911-1920) ولغاية الفترة (1991-2000)، مبينا أنه بلغ المجموع الكلي لما صدر منذ عام 1911 لغاية عام 2000 نحو 253 رواية.
واستعرض كذلك عدد ما صدر من روايات موزعة على الأقطار العربية في عقود عشرية منذ الفترة (1911-1920).
ولفت إلى أنه خلال ما يقارب تسعين عاماً منذ بداية كتابة الرواية الأردنية جرى نشر رواية واحدة في الأقطار المغاربية وكانت في تونس، رائيا أن ذلك يدل على تأخر حضور الرواية الأردنية لدى المغاربة على مستوى النشر، وقد يكون قد تقدّم حضورها ضمن عوامل أخرى.
ونوه بأن الرواية الأردنية بعد البدايات، خاضت تجارب كتابية جديدة، وشكّلت مرحلة التأسيس لرواية حديثة، مشيرا إلى أن تيسير سبول شكل أولى التجارب الروائية الناجحة في روايته "أنت منذ اليوم" التي صدرت في بيروت عام 1968، وكذلك رواية أمين شنار "الكابوس"، التي صدرت في بيروت في العام نفسه، وقد فازت الروايتان بجائزة جريدة "النهار"، وكان لهما الأثر في مغامرة الكتابة الروائية.
ولفت إلى أن حقبة السبعينيات من القرن الماضي أبرزت شكلاً جديداً من الرواية الأردنية، مشيرا إلى أنه صدرت في تلك الحقبة الزمنية 35 رواية أردنية.
بدوره، تناول الشاعر والباحث محمد سلام جميعان في ورقته التي حملت عنوان: "الرواية الأردنية تفاعلاتها وإشكالاتها" ما يعترض الرواية الأردنية من إشكالات تعانيها في مواجهة الآخر، متسائلا "كيف ينتشر الأدب الأردني في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي بالرغم من شحِّ وسائل النشر، ومحدودية منابر الإعلام وقلَّتها، في حين ينطمس وتذوي أصداؤه حين تتعدَّد المنابر وتتكاثر الوسائط.
وأشار إلى أن مارون عبود تناول في كتاب أسماه "على الطائر" نحو 700 شخصية أدبية من أدباء العرب في مشرق الوطن العربي ومغربه، وكان للأدباء الأردنيين نصيب موفور من هذه الأحاديث، ومنهم الأدباء: حسني فريز، وعيسى الناعوري وعبد الحليم عباس وروكس العزيزي ومحمد أديب العامري، وخليل هنداوي، وعصام حماد، ورشيد زيد الكيلاني، وغيرهم.
ولفت إلى دور الجغرافية الثقافية بالتأثير المتبادل بين المجتمعات البشرية والمحيط البيئوي الذي نشأت فيه الرواية الأردنية، والذي لا يمكن فصله عن بلاد الشام، مشيرا إلى أن من يتعامل مع الرواية الأردنية قراءة ونقداً ودراسةً يستطيع أن يرى امتدادها على فسيفساء واسعة من الاتجاهات والمضامين والقضايا والمراحل التي مرَّت فيها.
وأكد أن الرواية الأردنية منذ بواكيرها حتى آخر اتجاهات الحداثة في مضامينها وبنائها الفني تتصل اتصالاً وثيقاً بالرواية العربية وتياراتها واتجاهاتها وأذواقها الفنية وثيماتها الموضوعية في كلِّ سِماتها الحاكمة على أنساقها ومسيرتها.
ورأى أنه يمكن ترسيم حراك الرواية الأردنية في 4 مناظير هي؛ مرحلة التأسيس، ومرحلة حرب حزيران، ورواية الثمانينات من القرن الماضي، والرواية المعاصرة والحداثية.
ونوه بالأدب الذي تكتبه المرأة الأردنية، لافتا إلى روايات نِسويّة أردنية حققت نجاحاً وحظيت باهتمام من النُّقاد والدارسين، ونالت شهرة وانتشاراً بين جمهور قراء الرواية في الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، وتُرجم بعضها إلى عدد من اللغات الأوروبية والآسيوية، وازداد الاهتمام بها في الدوائر الأكاديمية ودور البحث والنشر، ومنهن الروائيات الأردنيات فاديا الفقير، وليلى حلبي، وناديا أبو جابر.
ولفت إلى أنه رغم أن هؤلاء الروائيات حققَّن شهرة عالمية في البلاد التي يُقِمن فيها إلا أننا لا نجد لهنّ صوتاً مسموعاً في بلدهنَّ الأصلي، وليس لهنّ حضور على أرض الواقع وفي الفضاء الأدبي الأردني.
واستعرض تجارب غالب هلسه ورشاد أبو شاور وفؤاد القسوس ومحمد عيد وسحر خليفة ومؤنس الرزاز الروائية وحضور العواصم والمدن والشخصيات العربية في منتجهم الروائي.
ودعا إلى أهمية الالتفات والاهتمام بالرواية الأردنية والاشتغال البحثي على موضوعات روائية.
وفي شهادة إبداعية قدمها الروائي قاسم توفيق الذي تعذر حضوره لأسباب صحية وقرأها بالنيابة عنه الروائي مفلح العدوان، قال فيها؛ إنَّ حديث المؤلف عن العوالم التي شكلت روايته، يغيّب أثر هذه العوالم عليه، ليس من جانب الحدث الواقعي أو الخيالي الذي جاءت منه الرواية، بل من جانب العلاقة التي تنشأ بينه وبين العوالم والشخصيات التي صاغها وتحوَّلت إلى كتاب، وكان لها أثر واضح على العملية الإبداعية منذ بداية تجلّيها بالأفكار، وفي الكلمات التي تجمَّعت في ملزمات من الورق حتى أضحت رواية.
وأضاف أن الكتابة هي جرأة المواجهة والكتابة المكشوفة والثائرة والصارخة، وهي بطولة ومغامرة، مستعرضا سيرته الإبداعية وما واجهه من تحديات ومفاهيمه تجاه الكتابة والإبداع والسرد الأدبي.
وفي الجلسة الثانية التي ترأسها الروائي عبدالسلام صالح تناول الناقد والأكاديمي الدكتور ليث الرواجفة في ورقته الموسومة بعنوان: "توجهات البحث الأكاديمي في دراسة الرواية الأردنيَّة.. ببليوجرافيا وقراءة نقديَّة في رسائل الماجستير والدكتوراه 2000- 2023"، الرسائل الجامعية وفق المبدأ الإحصائي حول الرواية الأردنية، ووفق استخدام أسلوب (تحليل المضمون) على عناوين وملخصات -وأحيانًا نص وفهرس- بهدف تحديد موضوعاتها، والفترات التاريخية التي عالجتها، ومدى الفائدة التي حققتها هذه الرسائل، ومدى انعكاسها على واقع الرواية الأردنية.
وأشار الرواجفة إلى أنه بعد إجراء البحث والمسح الإحصائي لأطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير في قواعد البيانات العالمية، ومحركات البحث، والمواقع الإلكترونية للجامعات الأردنية، ودوائر المكتبات الوطنية لمعظم الدول العربية، توصلت هذه الورقة إلى أن الرسائل التي تضمّن عنوانها: (الرواية الأردنية) قد بلغت 18 أطروحة دكتوراه، و29 رسالة ماجستير خلال الفترة الممتدة من (2000- 2023) كان أغلبها في الجامعات الأردنية عدا أطروحتين: واحدة كانت في جامعة الإمام في السعودية، وأخرى في جامعة المنصورة في مصر، ورسالة ماجستير واحدة في جامعة أم درمان في السودان.
واستعرض في ورقته البحثية دليلي أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير، مبينا أن موضوعات وعناوين أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير التي تناولت الرواية الأردنية جاءت متنوعة، وشاملة، وذات منهجيات متعددة.
وأوضح أنه على مستوى الموضوع فقد تناولت: قضايا الالتزام، وصورة الريف والبداوة، والحلم، وتناولت الشخصيات الإنسانية وتحديدًا شخصية المرأة، وعالجت الأيديولوجيا، وحقوق الإنسان، والرفض والتمرد، وقضية العدالة، وصورة السياسي، وتجربة السجن، والتحولات الاجتماعية، وأزمة المثقف، وثنائية الشرق والغرب، والغربة والاغتراب، والمعاناة، وصورة الشتات.
أما على المستوى الفني، فقد تناولت هذه الرسائل، بحسب ورقة الرواجفة مناهج نقد الرواية الأردنية، والحركة النقدية حول الرواية النسوية الأردنية، والنسيج اللغوي، وتطور مفهوم الراوي وتعدد الأصوات، والبناء الفني، وبناء السرد، وبنية المكان، والتقنيات الحداثية في الرواية، والنص الموازي، وسيمياء الغلاف، والعتبات النصية، وطرائق السرد، والرواية السيرية، والرواية التاريخية، والمفارقة، وهناك دراسة بنيوية تكوينية.
وواصلت الجلسة الثانية مع الناقدة والأكاديمية الدكتورة مريم جبر فريحات، في ورقتها التي حملت عنوان "الرواية والنقد الأكاديمي في الأردن.. أطراف المعادلة النقدية والرواية".
ولفتت إلى أن الرواية شهدت وما تزال تشهد كثيرا من التحولات انصياعا لجملة من العوامل التي أسهمت في تصدع بنيان الرواية التقليدية العربية عامة، بل ربما تكون الروايةُ الأردنيةُ خيرُ تمثيلٍ لهذا التحول، لخصوصية المكان الجغرافي وقربِه من الهزة الكبرى التي تمثلت بهزيمة حزيران.
وبينت أن التجديدُ لا بدّ له أن يخضعَ لإرهاصاتٍ يصدرُ بعضُها عن الذاتِ الكاتبةِ نفسِها، وبعضٌ آخرَ نتاجُ معطياتٍ ومؤثراتٍ خارجية، تتعلقُ بالواقع وما يشهدُه من متغيراتٍ انعكست على طبيعةِ الشكلِ الروائيّ ومضامينِه.
وأكدت أهمية هاجس الوعي على الذات، وعلى الخارج، وعلى الفن، الذي سيدفعُ باتجاه اجتراحِ تقنياتٍ جديدةٍ، ومضامينَ جديدةٍ هي نتاجُ تغيّرٍ في الفكرِ وفي البناءِ الاقتصاديّ والاجتماعيّ الذي لم يكن الروائيُّ الأردنيُّ بمنأى عن أثرِه.
وفي هذا الإطار، قالت إن ذلك يجعلُ الحديثَ عن خصوصيةٍ في التجربةِ الروائيةِ مسوغاً، خصوصيةٍ تفرضُها طبيعةُ التلقي والمشاركةُ في صناعة الحدثِ في هذه البقعة من وطنٍ كبيرٍ يمورُ بالأحداثِ والمتغيرات، ليجدَ الروائيُّ نفسَه هنا بين رهانين لا يمكن النظرُ في أحدهما بمنأى عن الآخر، رهانِ الفنِّ ورهانِ المضمون، وما بين هذا وذاك رهانُ التلقي الذي يعيدُ سؤالَ النقد ومدى مواكبتِه لهذا الوعيِ الإبداعيّ.
ورأت أنه لا يمكنُ الحديثُ عن وعيٍ فكريٍّ ومضمونيٍّ منفصلاً عن وعي الكاتب بما يشهدُه هذا الفنُ من قفزاتٍ واسعةٍ ومتسارعةٍ على صعيدِ البناءِ والتقنيات.
وأشارت إلى أن الناظرُ في مسيرةِ الروايةِ في الأردن لا بد له أن يلمحَ تنوّعا في أسئلتِها وانشغالاتِها كما في تقنياتِها، منذُ القفزةِ النوعيةِ ونقطةِ التحولِ التي أحدثتْها روايةُ (أنت منذ اليوم) لتيسير سبول، تلتها أعمالٌ أخرى لسالم النحاس، ثم ما شهدتْه الروايةُ في الأردن في فترةِ الثمانينياتِ من القرن الماضي من تطورٍ ملحوظٍ لا في عددِ المنشورِ منها حسب، بل في خروجِ الروائيِّ من عوالمِه الرومانسية في كلاسيكياتِ المراحلِ الأولى، إلى وقوفٍ صلبٍ على أرضِ الواقعِ واندغامٍ بشتى القضايا الاجتماعيةِ والإنسانية.
ولفتت إلى أن النقدَ والدراساتِ النقدية الأكاديميةِ لم تسلم من إغواءِ أثرِ الجوائز، سواء أكان ذلك في المقررات الدراسية أم في توجيهِ الطلبةِ نحو دراسةِ الأعمالِ الفائزةِ في بحوثهم ورسائلهم الجامعيةِ، عازية ذلك إلى عدة دوافع منها الفضولُ الذي يتملكُ الأستاذَ والدارسَ معا للاطلاعِ على الأعمالِ الروائيةِ الفائزة، ومستوياتِ التقييمِ والمعاييرِ التي منحتها أفضليةِ الفوزِ دون غيرها، والانسياقُ وراءَ شهرةٍ تستمدُّ مقوماتِها مما ناله العملُ وصاحبُه من شهرة وغيرها.
وخلصت إلى ضرورة الإقرار بالحاجة إلى نقدٍ علميٍّ موضوعي حقيقيٍّ يواكبُ هذه المسيرةَ المدهشةَ للرواية الأردنية.
بدوره، وعبر تقنية التواصل عن بعد(الزووم) تناول الكاتب المصري منير عتبة في ورقة بعنوان: "السرد الأردني..عين على الحياة والمستقبل.. إطلالة على نماذج من الرواية الأردنية المعاصرة"، نماذج من الروايات الأردنية موضوعها الرئيس هو الموت، أو فضاؤها السردي هو التاريخ، لاختبار رؤية الكاتب تجاه الحياة والحاضر والمستقبل.
وتحدث عن رواية "تراب الغريب" للروائي هزاع البراري، لافتا إلى إشكالية الموت كنقيض للحياة، ومحاولة الحياة للانتصار على الموت، وذلك من خلال ما يمكن أن نطلق عليه "شعرية الموت" في مقابل "واقعية الحياة".
كما تحدث عن رواية "يحيى" للروائية سميح خريس التي وصفها بالكتابة عن الماضي انتصارًا للمستقبل، لافتا إلى أن الأديبة خريس تخوض مغامرة فنية وفكرية بروايتها "يحيى" إذ تنفسح الرقعة الجغرافية للرواية ما بين الكرك وصحراء سيناء والقاهرة ودمشق واسطنبول والأندلس وأوروبا، ويمتد الزمن منذ ما قبل ميلاد بطلها يحيى الكركي حتى إعدامه، لكن الأهم هو الانفتاح غير المحدود لتحليق الروح وأسئلة العقل والوجود على امتداد الرواية.
كما تناول في ورقته بالتحليل رواية "العتبات" للروائي مفلح العدوان، واصفا بأنها الكتابة عن الجغرافيا لصنع تاريخ جديد.
وقال إن العدوان يحفر في طبقات طبقات جغرافيا الأرض، والطبقات الثقافية التي تحملها الجغرافيا في تفاعلها مع الناس والأزمنة.
كما تناول في ورقته روايتي "في ظلال الواحد" و"شات" للكاتب محمد سناجلة التي تؤشر على استخدام تقنية المستقبل في كتابة الرواية.
وقال عتبة إن سناجلة استطاع الاحتفاظ للسرد الأردني بمقام الريادة في مجال الرواية الرقمية بروايته "ظلال الواحد" التي نشرت عام 2001 والتي أتبعها بروايتين رقميتين هما "شات" عام 2005 و"صقيع" 2006 وبكتابه الورقي "رواية الواقعية الرقمية 2005" الذي قدم من خلاله نظريته لما قدمه إبداعًا، ثم عاد في عام 2016 ليقدم عملين رقميين هما رواية "ظلال العاشق" و"تحفة النظارة في عجائب الإمارة- قصة أدب رحلات رقمية".
ولفت إلى أن الرواية الرقمية استخدمت تقنيات جديدة موجودة في الحاضر، لكنها تتطلع إلى المستقبل، وتتجاوز الكتاب الورقي بعالمه المحدود التواصل في اتجاه واحد من الكاتب إلى القارئ، والمعتمد على الكلمة المكتوبة بالأساس؛ حتى وإن زودت بعض الأعمال ببعض الصور أو الرسوم، لتعتمد الرواية الرقمية على حاستي البصر والسمع باستخدامها للصور والرسوم والألوان والموسيقى والحوار المسموع، كما تعتمد على التواصل باتجاهين من الكاتب إلى القارئ ومن القارئ إلى الكاتب، من خلال قدرة الإنترنت على تحقيق هذا التفاعل.
وقال إن سناجلة استطاع استخدام التقنيات المتاحة عند إنتاج كل رواية من رواياته الرقمية بنجاح، لكنه لم يغفل المحتوى الذي تقدمه هذه الروايات، ولعل هذا المحتوى هو الذي جعله يختار لها مسمى رواية الواقعية الرقمية، وليس الرواية التفاعلية أو الرواية الشبكية نسبة إلى شبكة الإنترنت مثلًا، لأنه لم يستخدم التقنية كلعبة جديدة يلهو بها طفل فرح، بل استخدمها بوعي عصري بأهمية هذه التقنية في الوصول إلى قارئ جديد ومختلف، وبقدرتها على إعادة طرح مشكلات الواقع الراهن من أجل تجاوزها إلى مستقبل يطمح الكاتب والقارئ معًا لأن يكون أفضل.
وفي شهادته الإبداعية التي قدمها في الجلسة، قال الروائي جلال برجس "أكتب لأني خائف على نفسي في هذا العالم الذي بات أكثر كراهية وحروبا وتراجعا للقيم الإنسانية، وبالتالي أسعى عبر ما صدر لي من رواياتي إلى إزالة هذا الرماد الذي يتراكم على نافذتي الداخلية وإني أريد أن أرى العالم ونفسي واضحين من خلالها".
وفي الجلسة الثالثة والأخيرة، والتي ترأسها الروائي رمضان الرواشدة، لفتت الأكاديمية والروائية الدكتورة شهلا العجيلي في ورقتها المعنونة "الجائزة: موقعها من الكتابة وفاعليتها في السياق الثقافي" إلى أن النصّ الروائي يحتاج إلى أن يُعالج بكلّ من الحسّ الواقعيّ، والحسّ التاريخيّ، والحسّ الاجتماعيّ، والحسّ الفنيّ.
وفي هذا الإطار، بينت أن هذا كلّه تصنعه اللحظة التاريخيّة التي يعيشها كلّ من الكاتب والمتلقّي، مشيرة إلى أنّه قد يفرض النصّ نفسه على الجائزة، لكنّه لا يربحها لأنّ معاييرها ليست بالضرورة نصيّة.
وقالت إنه ليس للجائزة موقع في عمليّة الكتابة الأصيلة، لأنها تجعل النصّ يكتب ووفاقاً لسلطة المعايير غير الفنيّة، ويصير دور الجائزة أشبه بدور الرقيب، في الأولى التوخّي وفي الثاني المداراة أو التجنب، وهذا ضدّ حرية الإبداع، فتصير الجائزة هي المتلقّي الافتراضي الذي يكتب له كاتبه، ويكيّف نصّه بحسب معاييره، فيفقد الأسلوب، الذي هو أهمّ ما يميّز الكاتب.
وبحسب العجيلي يجب أن ينطلق النصّ بحريّة، ووفاقاً لمعايير النوع الأدبيّ.
وأشارت إلى أن فاعلية الجائزة قد تظهر في أنّها تحرّك العمليّة النقديّة، وتلتفت إلى علاقة النصّ بمجتمعه، لكنّها حركة مؤقّتة، لا تطوّر الكتابة في مجتمعها بالضرورة، بل أحياناً، إذا كان النصّ لا يستحقّ الجائزة، ستجعل الكتّاب الجدد يستسهلون الكتابة.
بدوره، قال الأكاديمي والناقد عماد الضمور إنه بعيدًا عن حملات التشكيك والتسييس والنقد اللاذع الذي تمّ توجيهه للجوائز الأدبية بشكل عام وجوائز الرواية بشكل خاص، أجد نفسي في هذه الورقة البحثيّة الموسومة بـ" الرواية الأردنية في ميزان الجوائز العربية" أمام منجز سرديّ روائي بدأ ينشط منذ الألفيّة الجديدة وما زال يُمارس ثورته الفكريّة والجماليّة حتى يومنا هذا، بعدما استطاعت الرواية الأردنيّة شقَ طريقها نحو آفاق أوسع من التجربة الفنية والتوغلَ في أعماق النفس الإنسانية بروح مستشرفة، وعينٍ ثاقبة في نظرتها للواقع.
وأضاف الضمور أنّ غزارة الإنتاج الروائي الأردني في السنوات الخمس الأخيرة وما رافقه من حضور عربي واضح جعل من الرواية الأردنية صوتًا مسموعًا وفضاءً واسعًا تتداخل فيه الأجناس الأدبية والفنون البصريّة.
ونوه بأن الرواية الأردنيّة دخلت في معترك الجوائز العالمية، وخاضت بنجاح معركة إثبات أحقيتها بالوجود بين الرويات العربية مُتسلحةً بإرث روائيّ، يعود إلى مرحلة التأسيس، وبما حققه الروائيون الأردنيون من وعي معرفي، ونضج فكري واضح، ومسيرة فنيّة تطورت عبر مراحل مختلفة.
وأكد أن ما أثارته فكرة الجوائز الأدبيّة منذ ظهورها من جدل كبير في أوساط الأكاديميين والمثقفين والأدباء والنقاد لا يقلل من شأن هذه الجوائز أو استحقاق الفائزين لها والوقوف على معالم مسيرتهم الإبداعيّة التي تجسّدت في أعمال روائيّة استطاعت إثبات وجودها بمعايير هذه الجوائز التي وضعت لها، فكسبت الرهان ونافست الروايات العربية وتجاوزتها في مناسبات كثيرة.
وبين أن الرواية الأردنيّة حققت وجودها قبل الجوائز العالمية، كما في روايات غالب هلسا ومؤنس الرزاز، وجمال ناجي، وفي رواية " أنت منذ اليوم " لتيسير سبول، ورواية " أوراق عاقر " لسالم النحاس.
وأكد ضرورة المحافظة على هذا الحضور الروائي الاردني ومنجزاته في الفضاء الابداعي العربي.
وخلص إلى أن مقدرة الرواية على الانتقال من المحلي إلى الإنساني من المقاييس الأدبية المهمة التي يمكن من خلالها الحكم على الرواية بالتميّز والإبداع فضلاً عمّا تحققه هذه الروايات من قدرة على قبول الآخر ومحاورته تحقيقًا للتجاوز، وتأكيدًا على ترسيخ هويّة الأمة ووجودها الحضاري، مؤكدا أهمية المعايير الجماليّة بتقنياتها الفنيّة.
وعبر تقنية التواصل عن بعد (الزووم)، قال الناقد والأكاديمي العراقي الدكتور سعد محمد علي التميمي في ورقته المعنونة "الرواية الأردنية من المحلية الى العالمية..قراءة في تجربة الروائي جلال برجس"؛ إن الرواية الأردنية حالها حال الرواية العربية إذ ارتبطت مسيرة تطورها وتحديثها بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة بدءًا بالحرب العالمية الثانية وحروب فلسطين فضلا عن حروب العراق وذلك لأن الرواية هو الجنس الأدبي القادر على استيعاب مثل هذه التحولات التي تعصف بالمجتمعات وتخلف وراءها العديد من المشكلات والآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية على الفرد والمجتمع.
ورأى هذه التحولات كانت الانطلاقة الحقيقية للرواية الأردنية من تفاعلها مع قضايا المجتمع جراء الأحداث السياسية التي كان لها آثار اجتماعية ونفسية على المجتمع والكتاب، فشرع الروائيون كل حسب رؤيته الفنية ومرجعيته الآيدولوجية والثقافية بمعالجة هذه الأحداث في روايات حققت حضورًا فاعلًا في الساحة الأردنية والعربية.
وتطرق إلى رواية الفائزة بالبوكر "دفاتر الوراق" لجلال برجس والتي وصفها بأنها تمثل تحديات الواقع الاجتماعي والنفسي إذ انها تنطلق من التداخل بين الذاتي والموضوعي عبر رؤية اشكالية في تقديم أجوبة لأسئلة الواقع من خلال أزمة المدينة وتشتت الذات والصراع النفسي والاجتماعي فضلا عن صراع الهوية ومواجهة الآخر والتمرد والاحتجاج على الواقع.
ولفت إلى تعدد الأصوات المهمشة في رواية "دفاتر الوراق"، رائيا أن الروائي برجس استطاع بهذه الرواية أن يخرج بالرواية الأردنية من الإطار المحلي الى العربي والعالمي من خلال التجريب الحر، ومعالجة القضايا المحلية بأسلوب مميز ومؤثر.
وفي ختام الندوة الموسعة قدم الروائي هزاع البراري شهادة إبداعية حملت عنوان: "الرواية.. كتابة الخوف ومساكنة القلق" قال فيها؛ إن الرواية كتابة الضد، أو معاقرة الاحتجاج، فالكتابة عن الخوف فعل شجاعة، واليد المرتجفة، تستند على قلب يربكه الحب، وكل ذلك يتكئ على عين ثاقبة غير مراوغة، فالخوف بلا ملامح مصادره مجهولة وهويته هلامية، وهذا ما يجعل الخوف مرعباً، الخوف مجهول، والمجهول مصدر كل المخاوف".
ولفت إلى أن الكتابة في حد ذاتها أمل ومواجهة مستمرة للدمار الداخلي والخارجي، أن أفقد الأمل يعني ذلك أن أفقد سبل التواصل من الكتابة والحياة، ولكني لا أنظر للنصف الفارغ فقط ولا النصف المليء فقط، بل أنظر للكأس بكليتها.
وقال إن الكتّاب غرباء، فأنا لا أتفرد بغربتي، والغربة تأتي من موقف الكاتب الاحتجاجي، فالمبدع يجد نفسه دائماً في صدام مع أسئلته وأطروحاته، في مواجهة الواقع الماثل، الوجود الشائك، لذا فإن الكلفة النفسية والفكرية التي يدفعها الكاتب كبيرة، أحياناً يفقد الانسجام مع المحيط وشروطه، وهذا ما يشعره بالغربة والاغتراب، وهذا الشعور هو مصدر أساسي من مصادر الكتابة.
واعتبر أن الكتابة حياة موازية، رائيا أن الكتابة هي كفة الميزان الثانية، إن سقطت اختل التوازن وعمت الفوضى، ويخسر الضمير والوجدان الإنسان نبعاً أساسياً من ينابيعه، وبالتالي فإن الرواية هي خلق لحياة من داخل هذه الحياة، هي مرآة لا تعكس المواجه لها مباشرة، لكنها تغوص فيه وتكشفه فتظهر ما لا يظهر، وتعكس صور ما لا يرى.
--(بترا)
م ت/أز/ هـ ح
24/06/2023 21:30:36