الملك يتناول في حديث شامل لصحيفة الغد تطورات الأوضاع الإقليمية وقضايا الشأن المحلي .. إضافة ثانية
2014/08/10 | 13:11:47
4. جلالة الملك، يستضيف الأردن على أراضيه ما يزيد على المليون لاجئ سوري، والعدد في تزايد مستمر كل يوم، وفي الأثناء لا يقدم المجتمع الدولي ما يلزم من المساعدات لتحمل كلفة اللاجئين، عند أية نقطة يمكن للأردن أن يتوقف عن تحمل المزيد من أعباء اللجوء؟ وفي حال كان هناك تصاعد في موجة جديدة من اللاجئين من الأشقاء العراقيين بسبب الظروف الراهنة، فما هي خيارات الأردن الممكنة؟
جلالة الملك: الأردن وكعهده دوماً ينهض بدوره القومي والعروبي وواجبه الإنساني، فعلاً وليس قولاً، تجاه الأشقاء من اللاجئين ومؤخرا السوريين، بدون مزايدات وبعيداً عن الشعارات الزائفة ومن منطلق ثوابت ومبادئ الثورة العربية الكبرى التي تأسس عليها، فالأردن يحتضنهم في هذا الظرف الصعب ولا يكتفي بالشعارات بل يتحمل ضغوطا هائلة على إمكاناته وموارده جراء هذا الموقف، ولكن، لهذا الدور طاقة وحدود لن نستطيع تجاوزها.
ومع تقديرنا لدعم أصدقاء الأردن الذي نثمنه عاليا، إلا أن العالم قد قصّر في دعم الأردن، حيث أن حجم الدعم لم يرتق إلى مستوى الأزمات التي نعايشها والأعباء الضخمة التي نستمر في تحملها، خاصة تبعات أزمة اللجوء السوري، وفي ظل تنامي أعداد اللاجئين وما يسببه من تزايد الضغوطات المالية غير المسبوقة، واستنزاف البنية التحتية والخدمات الأساسية للأردنيين، وعدم مواكبة الدعم الدولي لتسارع تبعات أزمة اللجوء السوري.
وليتذكر العالم بأن الأردن هو ثالث أكبر دولة مضيفة للاجئين في العالم، وقد كان لهذا العبء تأثير هائل على شعبنا وعلى خزينة الدولة، وعلى البنية التحتية لبلادنا، فمخيم الزعتري هو ثاني أكبر مخيم لاجئين في العالم، وعدد السوريين في الأردن يقارب 1.400.000 والكلفة الاقتصادية الكلية على الأردن لأعباء استضافة اللاجئين السوريين للعام 2014 وحده تقارب 3 مليارات دولار أمريكي، وفق تقديرات الأمم المتحدة، وتشمل هذه الكلفة الاحتياجات الأساسية للاجئين ومتطلبات تطوير البنية التحتية في المجتمعات المحلية المستضيفة، وهذا الرقم ينمو سنويا منذ اندلاع الأزمة وبدء موجات اللجوء السوري.
كما أن تكلفة استضافة اللاجئين المباشرة وغير المباشرة على الخزينة وفق التقديرات الدولية ولسنة 2014 لوحدها، كما تعلمين جمانة، تقارب المليار دولار أمريكي، وهذه الكلفة تتكرر سنويا بتزايد، ويتحملها الأردن في شكل ضغوطات إضافية على قطاعات الصحة والتعليم والمياه والبنية التحتية ودعم السلع الأساسية، فضلا عن منافسة الأردنيين على فرص العمل والسكن، وتصاعد أسعار السلع وتنامي الأعباء الأمنية وتكلفة التعاطي معها.
هذه الضغوطات وانعكاساتها لمستها بشكل مباشر خلال تواصلي الدائم مع أهلنا في مختلف المحافظات خاصة في الشمال والشمال الشرقي، حيث يتركز اللجوء السوري وتتعمق آثاره على المجتمعات المحلية.
المطلوب من المجتمع الدولي والأشقاء العرب هو العمل بجدية لتأمين الاحتياجات الإنسانية للشعب السوري من خلال إيصال المساعدات له داخل سورية، وزيادة الدعم للدول والمجتمعات المحلية التي تستضيف اللاجئين السوريين، ونحن مستمرون في دورنا القومي والإنساني ولن نتوانى عنه، لكن لن يتردد الأردن للحظة في اتخاذ أي من الإجراءات الضرورية في حال تهديد أمنه أو استقراره، الخيارات متعددة ومتاحة ولن نخوض في تفاصيلها الآن، لكن أولويتنا الأولى هي حماية حدودنا وشعبنا، وأطمئن الجميع بأن الأردن على أتم الاستعداد للتعامل مع كل الاحتمالات، ونشامى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية يقومون بدور تاريخي في حفظ الوطن، وسيشهد التاريخ شهادة حق لهذه السواعد التي تلبي نداء الإنسانية والعروبة وتحمي الوطن بأرواحها كما عهدناها دوماً.
5. كما أوضحتم جلالتكم، الشأن السوري متداخل مع العراقي، كيف تقرؤون مسار الأوضاع في العراق، وهل تشعرون بأنّها على طريقها لتشبه الأوضاع في سورية، أم أنّ فرص الحل السياسي والتسويات الداخلية ممكنة، وإذا كان كذلك، فما هي برأيكم كلمة السرّ في الحل السياسي المطلوب، وهل ثمّة مخاطر من تقسيم العراق إلى دويلات؟
جلالة الملك: نحن نؤمن تماما بوعي وتماسك الشعب العراقي وقدرته على تجاوز التحديات، ونحن أشد الحريصين على وحدة العراق وتماسك جميع مكونات المجتمع هناك، ونؤكد على أن تغييب أي مكوِّن من مكونات الشعب العراقي يعني تغييب الاستقرار كما يعني نمو التطرف وتهديد وحدة العراق أرضا وشعبا.
العراق كان وسيبقى السند لنا، كما سنبقى السند له عبر التاريخ، والعراق في أمس الحاجة اليوم إلى عملية سياسية وطنية جامعة تشارك فيها كل الأطياف والمكونات دون استثناء لأي طرف، وتؤدي إلى حلول توافقية كما حدث في رئاسة الدولة والبرلمان ونتمنى أن يحدث في رئاسة الوزراء.
هناك مسؤولية تاريخية على عاتق الحكومة العراقية القادمة، أياً كان رئيسها، بضرورة انتهاج سياسات عادلة تُشرك الجميع في السلطة وفي بناء الدولة، وترسخ شعور جميع العراقيين بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة مستقبل العراق، فمصلحة الشعب العراقي في وحدته والمساس في وحدة العراق خطر على الأمة.
وفي إطار توضيح الترابط بين الأزمة السورية والأوضاع في العراق، فإن استمرار الأزمة السورية بدون حل كان السبب في نقل انعكاساتها إلى العراق ممثلة بنمو الحركات المتطرفة وبروزها في غرب العراق، كما سبق وأن حذرت، وعليه، فإن استمرار غياب العملية السياسية الجامعة والحكومة الممثلة لجميع مكونات الشعب العراقي سيغذي البيئة الحاضنة للتطرف والإرهاب، وسيعقّد أيضاً فرص حل الأزمة السورية.
وفي سياق ما أوضحناه من حرص على وحدة العراق ومصلحة جميع مكونات المجتمع العراقي، تأتي جميع التحركات الأردنية، وعلى جميع الأطياف في العراق أن يكونوا على ثقة بأن المواقف التي تصدر عن الأردن ستكون في مصلحة كل العراقيين، فنحن للجميع، ومصلحتنا هي في مصلحة الشعب العراقي واستمراره قويا وموحدا، والأردن يدعم جهود العراق في تمتين جبهته الداخلية ونقف بقوة ضد التطرف والحركات والتنظيمات الإرهابية، وسنستمر في جهودنا هذه على مسافة واحدة من جميع مكونات الشعب العراقي الشقيق.
6. جلالة الملك، حذرتم مرارا من خطر الحروب الطائفية في المنطقة، ومن الاتجاهات الدينية المتطرفة والتكفيرية، هل المنطقة تذهب اليوم في هذا الاتجاه، وهل سيتحكم المتطرفون من مختلف الطوائف والمذاهب بمصير شعوبها؟
جلالة الملك: أخطر الحروب في التاريخ هي الطائفية والمبنية على رفض الآخر لأنها تمزق النسيج الاجتماعي للدول وتؤدي إلى تفكيك مؤسساتها والعودة إلى هويات فرعية هدّامة لا تؤمن بالتعددية والتنوع وقبول الآخر، يجب على عقلاء الأمة والإقليم أن يتوحدوا في موقفهم وألا يسمحوا للمتطرفين بمصادرة مصير المنطقة ومستقبل أجيالها والاستمرار في تعطيل طاقاتها، ومن هنا جاءت مبادراتنا الداعمة للحوار بين الأديان والمذاهب والتي تتبنى قيم الاعتدال والعيش المشترك، وتستند إلى الإسلام الحنيف وتبرز صورته الحقيقية، وذلك انطلاقا من إيماننا كهاشميين بأننا للجميع وعنصر توحيد لا تفتيت، وهذه المبادرات المتمثلة في رسالة عمّان، وكلمة سواء، وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، والمؤتمر العام الأخير لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، ومؤتمر التحديات التي تواجه المسيحيين العرب، هي أمثلة للقيم التي يؤمن بها الأردن والجهود التي يبذلها استجابة لتحديات توقعناها وحذرنا من تسارعها ولمكافحة فكر ظلامي بفكر مستنير مبني على تراثنا التعددي الذي يعكس صورة الإسلام الحنيف الناصعة.
وهنا نجدد تحذيرنا من خطورة استغلال الدين لأغراض سياسية، وضرورة نبذ خطاب العنف الطائفي والفرقة المذهبية، والنهوض بمجتمعاتنا العربية والإسلامية بالمشاركة لا المغالبة، وتبني قيم الديمقراطية والشورى التي تمثل جوهر الإجماع السياسي في الإسلام.
وأشدد أيضاً هنا على ضرورة حماية جميع الطوائف الدينية ذات الوجود التاريخي والأصيل في منطقتنا، وخاصة الهوية المسيحية العربية التاريخية، وصون حريات العبادة، حتى لا تترسخ النظرة السلبية والانعزال بين أتباع الديانات والمذاهب، محذرين مما نشهده من اضطهاد ديني أعمى، كان آخره الاضطهاد المستمر الذي نشهده الآن ضد المجتمعات المسيحية العربية الأصيلة في الموصل، والإسلام من ذلك براء جملة وتفصيلا.
وهناك مسؤولية تاريخية على جميع دول المنطقة، بمؤسساتها الدينية الرسمية والأهلية والثقافية والتعليمية والإعلامية بالإضافة إلى الحركات الإسلامية المعتدلة الراشدة، لبلورة موقف واضح ضد الحركات المتطرفة والتكفيرية ضمن مسؤوليتها الدينية والتاريخية في محاصرة التطرف وتحصين الشباب بوعي ديني مستنير ومعتدل.
يتبع ... يتبع.
--(بترا)
ب ط/ س ك/خ
10/8/2014 - 09:49 ص
10/8/2014 - 09:49 ص
مواضيع:
المزيد من محليات
2025/08/14 | 01:34:59
2025/08/14 | 00:16:32
2025/08/14 | 00:07:30
2025/08/13 | 23:38:45
2025/08/13 | 23:25:57