الملك يتناول في حديث شامل لصحيفة الغد تطورات الأوضاع الإقليمية وقضايا الشأن المحلي .. إضافة ثالثة
2014/08/10 | 16:59:47
7. جلالة الملك، منذ توليكم مقاليد الحكم، واجهتم أزمات وتحديات داخلية وخارجية جسيمة اجتازها الأردن باقتدار، هل يشعر جلالتكم أننا نواجه أخطر الأزمات في هذه الأوقات؟
جلالة الملك: اجتاز الأردن أزمات وتحديات صعبة وباقتدار فعلاً، لكن من المهم التوقف عند أسباب ذلك، فوعي المواطن الأردني وإحساسه بالمسؤولية تجاه بناء الوطن والحفاظ على منجزات الاستقرار هي أسباب رئيسية وراء مَنعَة الأردن وصموده، ومن أهم الأسباب أيضاً التحام القيادة والشعب، فأنا وشعبي في بوتقة واحدة، بالإضافة إلى المنظومة الأخلاقية التي ألزمنا أنفسنا بها كأردنيين هاشميين تجاه مواطنينا من عمل موصول من أجل رفعتهم، والنهج القومي العروبي الذي يؤمن به الأردن ويدفعه لنصرة الأشقاء، جميع هذه الأسباب ترفد بناء الشخصية الوطنية الأردنية الحريصة على صون استقرار الأردن ومنجزاته والقيام بواجبه الأخلاقي تجاه أشقائه وجيرانه.
التحديات تحيط بالأردن تاريخيا، وقَدَرُنا أن نواجهها ونجتازها، وقد مرّت علينا ظروف أصعب من التي نواجهها اليوم، فالأردن أقوى بكثير مما يعتقده البعض، وأنا مطمئن على استقرار الأردن ومَنعَته، وقدرتنا على تحويل التحديات إلى فرص، وذلك عن طريق التعامل معها بوعي وهدوء وبروح وطنية مسؤولة، ومؤسساتنا تعمل ليلا نهارا لتطوير خطط لمواجهة سائر التحديات.
ولنتذكر جميعاً بأن مَنعَة الأردن واستقراره وحضوره الدولي ليست وليدة الصدفة، بل نتاج عقود من التضحيات والعمل، ارتكزنا فيها إلى قيم الاعتدال والانفتاح واحترام الإنسانية وبناء قناعة حقيقية لدى المواطنين بأنهم شركاء في المسيرة، وهذا ما مكننا من التأثير الفاعل في المنابر الدولية كشريك دولي إيجابي في بناء السلام ومد جسور الحوار، وهو ما جعلنا أيضا واحة أمن واستقرار يقصدها من يعاني الظلم وينشد الأمن والكرامة.
8. جلالة الملك، يساور الأردنيين القلق من التأثيرات المحتملة للتطورات من حولنا، برأي جلالتكم، ما الذي ينبغي على مؤسسات الدولة والمجتمع أن تفعله لسد الثغرات في جبهتنا الداخلية، لتكون أكثر قوة وتماسكا في مواجهة المخاطر المحدقة بدول المنطقة؟
جلالة الملك: ما وصفتُه للتو من تجارب جبلت الشخصية الوطنية الأردنية على صون الاستقرار وحماية المنجزات تشكل أيضاً إرثا وطنياً ومخزونا من العلاقة الإيجابية بين القيادة والشعب ومختلف المؤسسات الوطنية، ما يجعلنا نواجه الأزمات بثقة، لأن الجبهة الداخلية متماسكة ولأن الكل يعي مصالح الأردن وطاقاته في التعامل مع التعقيدات الإقليمية من حولنا، ويبقى أن نستمر في البناء على ذلك، وقد قطع الأردن فعلاً شوطاً كبيرا في هذا الاتجاه، عبر تسريع التحول الديمقراطي، واتباع نهج إصلاحي تدرجي، يوسّع دائرة المشاركة ويبني شعوراً وطنياً بالشراكة، ويتيح الفرص الاقتصادية العادلة للجميع.
أمّا الاختلاف في الرأي، والتعبير عن هذا الاختلاف فليس ضعفاً في الجبهة الداخلية بل هو تنوع يثرينا، قوتنا تكمن في ترجمة هذا التنوع إلى مشاركة سياسية ومواطنة فاعلة في الحياة العامة، بحيث ننتج قيادات تتولى صناعة القرار عبر المؤسسات الوطنية من برلمان وحكومات وسائر أجهزة الدولة الأخرى، ثم يحاسب المواطنون المسؤولين عبر صناديق الاقتراع.
أدرك تماماً أن هناك آراء تقول بضرورة اللجوء إلى آليات لجان الحوار الوطنية للوقوف على التحديات وتدعيم الجبهة الداخلية، وهنا أريد أن أوضح أننا حريصون على بناء أعلى درجات التوافق الوطني إزاء المفاصل الرئيسية، خاصة الإصلاحية منها، ولكن، من الضروري أن يتم ذلك عبر أدوات المواطنة الفاعلة والنقاش العام وضمن المؤسسات الدستورية ممثلة بمجلس الأمة وعلاقتها بالحكومة، وهذه هي الأدوات الديموقراطية الأصيلة لإدارة النقاش الوطني وبناء التوافق، أمّا الأدوات الموازية من لجان وطنية، فيُلجأ إليها استثناء وبغرض إصلاح وتطوير الأدوات الأصيلة، وقد نجح الأردن في تحقيق ذلك وتجاوزه.
أدرك أيضاً وفي إطار متابعتي للهموم الوطنية، بأن البعض يشير إلى الوضع في معان في سياق ضعف الجبهة الداخلية، هذه النظرة غير صحيحة ولا تعرف واقع معان وتاريخها الوطني، لِمَعَان وأهلها إسهامات تاريخية مشرفة في تأسيس الأردن ونهضته وشعورهم الوطني أصيل، يوجد، وللأسف، مجموعة صغيرة ومحدودة من الخارجين عن القانون، لا تمثّل أهل معان، وهؤلاء يشوهون اسمها بتجاوزهم على سيادة القانون وهيبة الدولة، التي كان آخرها حادث اغتيال الشهيد الملازم ثاني نارت نفش الأليم، والذي قضى فداء لأمن الوطن.
هؤلاء الخارجون على القانون يعطلون الحياة اليومية لأهل معان، وينتجون ظرفاً أمنياً يؤخّر قدرة الحكومة على الاستجابة في تنفيذ المشاريع الاقتصادية والتنموية التي يطالب بها أهل معان، من الضروري أن ينبذ الرأي العام في معان ممارسات الخارجين عن القانون ويعزلهم، بما يدعم جهود الأجهزة الأمنية في فرض سيادة القانون، ويعيد الهدوء الضروري لإطلاق عجلة التنمية والاستثمار حتى نرى عوائدهما على المحافظة.
9. جلالة الملك، هل الأوضاع الإقليمية المتدهورة من حولنا حملتكم على التفكير بخطوات الإصلاح قبل اتخاذها؟ ماذا بوسع الأردن أن يفعل؛ أيسرِّع خطى الإصلاح، أم يفكر مليّا في أي خطوة إصلاحية جديدة لتجنب مخاطر غير محسوبة؟
جلالة الملك: في كل مرة يوجه لي سؤال مشابه تكون إجابتي واحدة وحاسمة: لن نسمح أن تُتَّخذ الظروف والتحديات الإقليمية الصعبة، سواء كانت العدوان الإسرائيلي على غزة أو النزاع في سورية أو الاضطرابات في العراق أو خطر التطرف، ذريعة للتردد في الإصلاح أو التراجع عنه، هذا ما أؤمن به قولا وفعلاً، ويجب أن تؤمن وسائل الإعلام بتصميمنا على الإصلاح ويجب التوقف عن إذاعة محاولات البحث عن أعذار عن المضي قدما في الإصلاح.
وللتذكير، فإنني في كل مناسبات تواصلي مع أبناء وبنات وطني من شتى الخلفيات والتوجهات أبادر بطرح قضايا الإصلاح والتذكير بأولوياته، وحثهم على التفكير في الخطوات العملية الضرورية التالية، ومن ضمنها القوانين الضرورية لتحفيز الإصلاح.
مسيرة الأردن الإصلاحية تقوم بشكل أساسي على ما يرتئيه الأردنيون من أولويات وأهداف إصلاحية وضمن التدرج الذي يخدم انسياب مسيرتنا، وهنا استذكر أنه عندما كانت بعض دول الربيع العربي تسارع إلى إجراء الانتخابات كمدخل للتحول الديمقراطي، كان الأردن يختط لنفسه نهجا خاصا وتجربة ذاتية تحاكي احتياجاته وتبني على انجازات مؤسساته الديمقراطية، فذهب الأردن إلى تعديل الدستور أولاً، وإصلاح التشريعات السياسية الأساسية، ومن ثم إطلاق مؤسسات ديمقراطية رقابية إضافية، وصولا إلى إجراء انتخابات نيابية وبلدية نزيهة في نفس العام، وتغيير آلية تشكيل الحكومات.
لا أدعي هنا أبداً بأن ما قامت به دول أخرى من إصلاحات كان خطأ وأن ما قام به الأردن كان الصواب، لكنه كان بالفعل الوصفة الإصلاحية الأفضل للأردن، وقد مرت أحداث الإقليم وتداعيات الربيع العربي، وتبين أن النهج الأردني الإصلاحي كان واعياً في تدرجه وتوازنه، ويذهب البعض الآن إلى الاستفادة من دروسنا وتجربتنا الإصلاحية.
وعليه، فإن الأردن ماض في مسيرته الإصلاحية دون تردد والهدف النهائي ومقومات الوصول إليه واضحة، فالهدف هو الوصول إلى حالة متقدمة من الحكومات البرلمانية تتولى فيها الأغلبية النيابية من أحزاب برامجية تشكيل الحكومات، وتتولى الأقلية النيابية الحزبية وذات البرامج أيضاً دور حكومة الظل في الرقابة وتقديم البرامج البديلة، ومقومات هذا التحول هي تطوير العمل النيابي الكتلوي الذي تلقى دفعة إيجابية بتطوير النظام الداخلي لمجلس النواب خلال الفترة الماضية، وضرورة الاستمرار في تطوير أحزاب سياسية وطنية ذات برامج وقواعد شعبية ممتدة، بما يسهم في توسيع مشاركة المواطنين في صنع القرار.
تواجهنا العديد من التحديات وعلينا معالجة أولوياتنا الوطنية الملحّة، ويجب ألا نسمح للأوضاع الإقليمية وتداعياتها بأن تعطل مسيرتنا الإصلاحية السياسية والاقتصادية والقضائية والاجتماعية والإدارية، ويجب ألا نبقى أسرى التذرع بالظروف الإقليمية بل نوجه طاقاتنا نحو ما يعزز مَنعَة الأردن وازدهاره.
يتبع ... يتبع.
--(بترا)
ب ط/س ك/خ
10/8/2014 - 01:37 م
10/8/2014 - 01:37 م
مواضيع:
المزيد من محليات
2025/08/14 | 01:34:59
2025/08/14 | 00:16:32
2025/08/14 | 00:07:30
2025/08/13 | 23:38:45
2025/08/13 | 23:25:57