الشريف حسين والعثمانيون والترك.. جدلية الحب والكراهية.. إضافة اولى وأخيرة
2016/07/24 | 16:01:48
شهد نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين نشاطا قوميا مكثفا. فالقوميون الجدد ينادون بسيادة العرق التركي على باقي الاعراق، بل انهم يجاهرون باحتقار الاعراق الباقية، منتهجين سياسة تتريك الشعوب غير التركية. ولم يكتم كثير من زعماء هذه الحركة حقدهم على بقية القوميات وكرههم لهم، وقد صرح وزير المالية، جاويد بك، فوصف العرب "بالعرق الاسود".
وعملت الاتحاد والترقي على طرد العرب من الوظائف الكبرى التي شغلوها ايام عبدالحميد الثاني، فلم يبق في وزارة الخارجية من العرب سوى موظف واحد، بينما كان السلطان يعمل على تقريب العرب وزعمائهم، وبعد ذلك بدأت صحفهم تشن الحملات المسعورة ليس على العرب الذين كانوا مقربين من السلطان عبدالحميد بل على كل عربي بحيث قرنت اسم العرب بكلمة "بيس" أي قذر وقالت "بيس عرب" ما اثار سخط العرب عموما. وتؤكد الدراسة ان جمعية الاتحاد والترقي بعد تسلمها السلطة بدأت سياسة اكثر تشددا تجاه الاقليات الدينية والعرقية بهدف سحق العناصر غير التركية.
وعن السياسة التي انتهجتها الاتحاد والترقي تجاه الشعوب غير التركية كتب السفير البريطاني في استنبول، الى وزير الخارجية ادوارد غراي في 6 ايلول 1910 يقول "اتشرف بان اطلع سعادتكم اني تلقيت سرا ومن مصدر لا يرقى اليه الشك خلاصة خطاب، القاه طلعت بك في سلانيك على اعضاء جمعية الاتحاد والترقي... وعليه لا يمكن ان يكون هناك مساواة بين المواطنين، ما لم تفلح اولا في تتريك سكان الامبراطورية وهو عمل شاق وطويل المدى، واني لأجرؤ على التنبؤ بأننا سننجح في نهاية الامر وذلك بعد القضاء قضاء مبرما على كل حركة ثورية".
وفي نفس الرسالة يتابع السفير "لقد بدأ منذ زمن بعيد ان جمعية الاتحاد والترقي قد عدلت نهائيا عن فكرة تتريك جميع الشعوب غير التركية بالطرق الدستورية، وعدلت كذلك عن الاساليب الودية لاستمالتها وكسب عطفها وودها، ويبدو كذلك ان العثمنة في نظرها تعني التركية اي جعلها اتراكا، وان سياستها في تتريك السلطنة تعني سحق العناصر غير التركية بمطرقة تركية.
ادت سياسة التتريك التي اتبعتها جمعية الاتحاد والترقي تجاه الشعوب غير التركية الى استنكار واسع في جميع الولايات وخصوصا العربية منها، وعمقت الهوة بين الشريف حسين والجمعية، اذا اتجهت نية انور باشا وزير البحرية وجمال باشا وهما من اقطاب الاتحاديين الى الغاء نظام الشرافة بهدف التخلص من قوة عربية لها نفوذ ديني وادبي كبير في جميع ارجاء العالم الاسلامي.
ومن نهاية عام 1913 وقع اختيار الاتحاديين على ضابط الباني من منتسبي جمعيتهم ليكون واليا على الحجاز مع تعليمات بإضعاف ما للشريف حسين من نفوذ ومقاومته والقبض عليه اذا استوجب الامر، والغاء امتيازات الحجاز المحلية التي يتمتع بها منذ السابق بسبب وضعه الديني وجعلها ولاية عادية، وذلك عن طريق تطبيق قانون الولايات الجديد الذي ينص على ان يدفع اهالي الحجاز الضرائب كغيرهم من سكان الولايات الاخرى، بعد ان كانوا معفيين منها منذ امد طويل وتنفيذ التجنيد الاجباري على ابناء الحجاز.
ويورد الفريق غالب باشا نص التعليمات التي اعطيت لوهيب باشا في مذكراته: "اننا نعلم ان الشريف حسين عمل بكل قواه في سبيل استقلال العرب وسلخ هذه البلاد عن السلطنة العثمانية، ولهذا عزمنا على عزله وتولية الشريف على حيدر (من آل زيد) بدلا عنه. فعليك حين وصولك الى مكة ان توجد خلافا بين مقامي الولاية والامارة لنتمكن من تحقيق هذا الهدف".
يتبين من خلال ما تقدم بأن الاتحاديين قرروا انتهاج سياسة جديدة في الحجاز وهي سياسة الحكم المركزي وتطبيق قانون الولايات الجديد من جهة، وسياسة التتريك من جهة اخرى، وهذه السياسة التي حرص الاتحاديون على ادخالها في الحجاز تهدف للقضاء على كل ما للشريف حسين من نفوذ وامتيازات.
رفض الشريف حسين هذا الوضع الجديد الذي اراده الاتحاديون لولاية الحجاز وعارض فرض التجنيد الاجباري في ربوع الحجاز، والواقع ان الرفض لم يقتصر على الشريف حسين واتباعه فحسب بل عم اكثر سكان المدن الرئيسية وولّد جوا من الفوضى، وتجمهر اهل مكة حول دار الحكومة ينادون بعد تغيير امتيازات الحجاز.
واثناء ذلك جاء الشريف حسين الى الوالي ودخل عليه وقال له: "ها انت ترى رغبة الشعب الحجازي في التمسك بحقوقه القديمة بالشروط التي بويع بها السلطان سليم الاول بالخلافة، فإذا كانت في يدك اوامر من الدولة بتطبيق قانون الولايات على هذه البلاد وسلخ امتيازاتها فأرنا هذه الاوامر التي لم تأت منها من الباب العالي أي اشارة، وإن كان من المقصود اجراء تبديل في الامارة فهذا أنا سأبقى هنا الى حين تأتي الباخرة التي سأسافر بها الى جدة لئلا يقع ما تسند تبعاته إلي".
وهنا نلاحظ بأن الشريف حسين قدم نصيحة للوالي بالكف عما جاء من اجله وضرورة احتفاظ الحجاز بحقوقها القديمة وفي الوقت نفسه ابرق الشريف حسين الى استنبول، مؤكدا طلبه هذا وشكواه من تصرفات الوالي.
ادرك وهيب باشا عجزه عن ازاحة الشريف حسين من منصبه لمتانة العلاقة القوية التي تربطه بالسلطان، (بالرغم من ان سلطة السلطان كانت صورية)، لذلك قررت جمعية الاتحاد خلع الشريف حسين بالقوة وذلك بإرسال فرقة عسكرية لتتولى هذه المهمة حيث طلب جمال باشا من الباب العالي الموافقة على تعيينه على رأس قيادة القوات التي سيتم ارسالها للحجاز، ولكن لتدخل الصدر الاعظم عدلت الجمعية عن هذه الخطة، لكن الازمة هدأت اثر وصول برقية من الصدر الاعظم سعيد حليم للشريف حسين يؤكد فيها على ابقاء الامتيازات القديمة للحجاز.
وهكذا رأى الاتحاديون ان من حسن السياسة مهادنة الشريف حسين وبنفس الوقت العمل حتى تحين لهم الفرصة لعزله من الشرافة وتولية الشريف علي حيدر من آل زيد مكانه.
وبالرغم من كل المضايقات والاستفزازات التي تعرض لها الشريف حسين على يد جماعة الاتحاد والترقي بقي على اخلاصه للدولة العثمانية وخصوصا للسلطان وهو لم يكن يفكر بالاستقلال عن الدولة العثمانية ابدا، لكن السياسة المتهورة لجمعية الاتحاد والترقي، والتضييق على الشريف حسين هي التي دفعته الى هذا الموضوع كرها، فحتى قبيل اعلان الحرب العالمية الاولى ابدى الشريف حسين كل مساعدة ممكنة للدولة العثمانية للدفاع عن اراضيها فقد اقدم الامير فيصل (نجل الشريف حسين) على إرسال مجاهدين من منطقة الحجاز الى القدس للدفاع عنها.
كما اصدر الشريف حسين امير مكة المكرمة منشورا يذكر فيه ان العرب يرفضون دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الاولى وذلك لضعفها وتراجع اقتصادها نتيجة الحروب، وخروجها من الحرب البلقانية والحرب الايطالية الليبية منهكة، وهو ما اثر سلبا على القدرات العسكرية، وهذه الحروب ادت في حالات كثيرة الى تحميل المواطنين ضرائب اضافية وتجنيد البعض منهم.
ويرى الشريف حسين ان تحالف الدولة العثمانية مع طرف ضد طرف آخر خطأ لأن الدول الاوروبية لها اطماع كثيرة بالأراضي العثمانية، وايضا هناك عدد هام من المسلمين يعيشون داخل الاراضي الاوروبية، وهذا التحالف ربما يسبب لهم المشاكل.
وعلى الرغم من الاستفزازات للشريف حسين من قبل الاتحاد والترقي فقد حافظ الشريف حسين على علاقة الود والمحبة للسلطان كونه الخليفة وحامي المسلمين، فقد منح السلطان محمد الخامس الشريف حسين نيشان هايموني من الرتبة الاولى، كما منح السلطان للشريف حسين وساما اخر عام 1916 (ميدالية امتياز ذهبية لشريف مكة الامير حسين).
ومن الطبيعي ان يقدم الاتحاديون على عزل الشريف حسين وتولية امير مكانه هو الشريف علي حيدر، والغريب ان هذا الفرمان لم يكن صادرا من السلطان العثماني على الرغم انه جرت العادة عند تولية اي شخص لمنصب الشرافية ان يصدر بفرمان عن السلطان .
وقد جاءت هذه الوثيقة باللغة الفرنسية وقد اراد الاتحاديون من هذا العمل على ما يبدو ضرب القبائل الحجازية بعضها ببعض وهي سياسة تنبثق من المبدأ السياسي المعروف فرق تسد، لاسيما اذا علمنا ان الشريف الجديد علي حيدر معروف بتأييده للاتحاديين وموالاتهم في جميع ادوار حياتهم، وكانت مهمة حيدر بث دعاية واسعة للاتحاديين بين اوساط القبائل الحجازية، وذلك عن طريق إنفاق الاموال لاستمالتهم وإغرائهم على الانقضاض على الشريف حسين.
--(بترا)
م ح/اح/س ط
24/7/2016 - 12:55 م
24/7/2016 - 12:55 م
مواضيع:
المزيد من محليات
2026/03/30 | 17:43:56
2026/03/30 | 16:23:47
2026/03/30 | 16:12:20
2026/03/30 | 16:10:33
2026/03/30 | 16:00:29