الثورة العربية الكبرى: مذكرات محمد علي العجلوني
2016/05/17 | 19:23:47
عمان 17 أيار(بترا)- أكدت أستاذة التاريخ الحديث الدكتورة هند أبو الشعر أصالة مذكرات العسكريين الذين شاركوا في الثورة العربية الكبرى كمصدر تاريخي لأنها تستند إلى خلفية معتبرة ومرجعيات واضحة.
جاء ذلك في الورقة التي قدمتها أبو الشعر في مؤتمر "مئوية الثورة العربية الكبرى "الذي عقدته جامعة آل البيت أخيرا والتي ناقشت كتاب "ذكرياتي عن الثورة العربية الكبرى لمحمد علي العجلوني".
تقع مذكرات العجلوني في 110 صفحات من القطع المتوسط وقد صدرها المؤلف بتمهيد قدم فيه قريته ومسقط رأسه بطريقة فلسفية وأبدى ارتباطه ببساطة الناس وأصالتها لم يتحدث عن نفسه ولا عن عائلته ، وكل ما أشار إليه أن العائلة لا تملك زرعا ولا ضرعا وأنه هو وأخواه اقتادتهم الدولة العثمانية إلى الجندية وبقي الأب والأم والأخوة الصغار بلا عائل لينتقل بعد هذا التمهيد المكاني لاستعراض تاريخي محدود توقف فيه عند مفاصل تدل على عدم ارتياحه لتحكم غير العرب بالخلافة حتى وصل إلى تحكم (فتية الترك) ويقصد بهم أعضاء جمعية الاتحاد والترقي بالدولة وعناصرها .
عاش محمد علي العجلوني الذي ولد في قرية عنجرة بشمال الأردن 78 عاما ، ولد سنة 1893 وتوفي بعمان سنة1971 وشهد أزمانا متلاحقة من التغيرات ، فهو من مواليد أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وشهد ربع القرن الأخير من عمر الدولة العثمانية وحارب معها وحاربها عندما انضم إلى جيش الثورة العربية الكبرى عام 1917 وساهم مع الأمير فيصل بن الحسين بدخول دمشق وكان إلى جانبه مع نشوء الحكومة العربية الفيصلية ووقف مدافعا عن أول كيان عربي وطني في دمشق في معركة ميسلون وشارك فيها وعاد مع جرح ميسلون الذي أصاب الجيل العربي كله إلى قريته.
وسردت أبو الشعر عناوين المذكرات والمحطات التي رصدها وعايشها العجلوني ففي محطة الجيش التركي تقول أبو الشعر كان العجلوني في الحادية والعشرين من عمره عندما انضم للجيش الرابع ومقره دمشق وقد اختصر بشاعة ما اقترفه جمال باشا السفّاح في بلاد الشام بصفحة ونصف من إعدامات وملاحقة وبين واقع حال الأهالي بقوله" لقد ساير الإداريون مقاصد الاتحاديين وسلط هؤلاء رجال "الجندرمة والبوليس" على الأهلين وروعوا السكان وابتزوا الأموال وضيقوا على الفلاحين وعادت القوانين والمحاكم غير قادرة على درء الشر فعمت المظالم واستوى البريء والمذنب وصارت الرشوة أمرا طبيعيا في جهاز الدولة وكثر الفارون من الجيش فلا يلحق به جديد إلا وقد فر جندي قديم وربما كان الفارون أكثر من الملحقين فكان هذا سببا لزيادة ضغط "الجندرمة والبوليس" على الأهلين وكان في وسع الجندي التركي أن يسوق أي رجل يلقاه فيتهمه بالفرار من الخدمة متذرعا بالغيرة على الواجب ولكنه يتناسى هذا الواجب عندما يحصل على بغيته من الرشوة .
بداية الغضب بين العسكريين العرب
...................................
وفي محطة بداية الغضب بين العسكريين العرب رصد العجلوني كما تشير أبو الشعر حادثة جرت في ساحة مدينة بعلبك وهي مقر تدريب أفراد الجيش الرابع حيث كان يتلقى تدريبه العسكري في مدرسة ضباط الاحتياط مع مائتي ضابط عربي وسجل حادثة أدت إلى تغيير في مجرى تفكيره حيث كان جمال باشا شنق جماعة من العرب وعلقها على أعواد المشانق وكان العجلوني يقف مع العسكريين في الساحة "فسمع العسكر الأتراك يسبون العرب المعلقين على المشانق ويتهمونهم بالخيانة مؤكدين أن كل العرب خونة".
كان لهذه الحادثة وقعها القاسي على الضباط العرب في المدرسة وهم الطليعة من طلبة المدارس العليا من مهندسين وأطباء ومحامين وكان بعضهم ينتسب سرا لجمعيتي العهد والعربية الفتاة ما جعلهم يتجمعون ويتشاورون في مرافق المدرسة معا فما كان من الإدارة إلا أن فرقتهم وألحقتهم بصفوف الجيش وكان نصيب العجلوني نقله إلى الأناضول مع ثمانية من الضباط المتدربين لتولي قيادة مفارز النقل للوحدات النمساوية المتجهة من أوروبا إلى قناة السويس.
تضيف المذكرات أن أحوال ضباط الاحتياط العاملين مع الوحدات النمساوية كانت أفضل من باقي الوحدات حيث يتوفر لهم الملابس النمساوية من الجوخ والمواد التموينية التي يفتقدها ضباط الاحتياط الذين يقبضون رواتبهم بورق البنكنوت فاقد القيمة بدلا من النقد العثماني.
تقول أبو الشعر ان العجلوني كان أثناء قيامه بعمله يلاحظ أن المسؤولين من أصول عربية يعاملون العرب باللطف والاحترام خلافا للأتراك وتم نقله إلى مدينة طرطوس التي ترابط فيها الفرقة 23 بقيادة زكي بك العظمة الدمشقي وهم من المشاة وغالبيتهم من أهالي بلاد الشام وقد سجل حزنه لرؤية الأسر العربية المبعدة إلى الأناضول حيث يغتنم بعضهم الفرصة ليشكوا للضباط العرب سوء حالهم في المنفى ويحملونهم رسائل لأهاليهم .
وترصد المذكرات توجع العجلوني لهم وقوله بأسف :" وبينما كانت قوافل المبعدين يذهب بها إلى الشمال كانت قوافل الأرمن يذهب بها إلى الجنوب إلى الديار العربية" .
وأبدى العجلوني تعاطفه مع جماعات الأرمن ممن تبعدهم الدولة العثمانية بقوله" وكانت حالة الأرمن من هؤلاء أشقى وأتعس فالأطفال والنسوة والعجزة يرغمون على السير مشيا وأمتعتهم على ظهورهم ويساقون كالأنعام قطيعا يتلو قطيعا في الطريق العام بحراسة رجال قناة لا تعرف الرحمة إلى قلبوهم سبيلا".
وقد ميز العجلوني بين معاملة العرب والأرمن وشهد بأنه "من الإنصاف أن اعترف بأن المبعدين من العرب لم يلاقوا العسف إلى هذا الحد الذي لاقاه الأرمن".
محطة طرطوس
.............
وفي محطة طرطوس تقول أبو الشعر ان العجلوني توقف عند هذه المحطة التي كانت ممرا لأعالي دمشق عبر الساحل إلى اسطنبول وكان يرى فيها التجار وبعض التلاميذ من العسكريين من طلبة المدرسة الإعدادية بدمشق الذين كانوا يقصدون اسطنبول لاستكمال دراستهم ومنهم بهجت طبارة وطارق الجندي وقد لاحظ بأسف شديد وجود شرخ في العلاقات بين العرب والأتراك بسبب عنصرية الأتراك وفوجئ أثناء صلاته في مسجد المأمون بطرطوس حيث دفن الخليفة العباسي المأمون بأن الأتراك والعرب من المصلين لا يختلطون وأن الجنود الاتراك يطلقون على الجنود العرب لقب"يزيدي" نسبة للخليفة الأموي يزيد بن معاوية والذي يكرهونه بشدة وكان لون العجلوني الأسمر سببا في إحساسه بنفور الاتراك منه لأنهم كانوا يسمونه "اليمني" وهم يكرهون اليمنيين لأنهم كانوا يعتبرون اليمن "مقبرة الاتراك" .
بوادر الفرج
...........
سقط العجلوني مريضا بحمى الملاريا المنتشرة بكثرة بسبب المستنقعات القريبة في ولاية أضنة ودخل مستشفى طرطوس العسكري وسمع هناك وللمرة الأولى من التجار القادمين من حلب وكانوا في زيارة للمرضى بنبأ أنعش المرضى العرب "وكأنها بشرى زفت إليهم"بأن الشريف الحسين بن علي أعلن الثورة العربية الكبرى على الحكومة التركية التي يهيمن عليها حزب الاتحاد والترقي .
ولخص العجلوني مشاعر العسكريين العرب في مستشفى طرطوس قائلا" كان للخبر في نفوسنا وقع عظيم كأنه من السماء فأعاد الثقة المتزعزعة ورسم في حياة الأمة الغربية خطوطا جديدة كلها أمل وقوة وفجر جديد وصارت البسمة تطفح على وجوه الضباط العرب المرضى وزوارهم واستبشرنا بالخير جميعا ومثل هذا الشعور لم يخالط نفوس العرب منذ ستة قرون".
تقول أبو الشعر ان العجلوني تمكن في عمله الجديد عندما نقل إلى القدس أي مقر قيادة الجيش من متابعة أخبار ثورة الحسين بن علي من الضباط العراقيين وكانت وظيفته تأمين نقل الحبوب للقدس من السلط والسكر والأرز من يافا ، وكان يبيت الالتحاق بالثورة وفاتته الفرصة عندما نقل إلى الكرك معاونا لقائد المنطقة .
يذكر العجلوني في مذكراته أنه كلّف بنقل رسالة لقدر المجالي شيخ مشايخ المجالية في بلدة حمود من القدس تنذره بعدم مقابلة الوالي ووقع العجلوني مريضا بمرض التيفوس المنتشر بين الناس آنذاك وتم السماح له بعد فترة النقاهة التي قضاها في أريحا أن يزور أهله وهناك وجد أهل القرية بحالة قاسية يقتاتون على الأعشاب واتخذ قراره بالالتحاق بالثورة والفرار من الجيش ففاتح والده بالأمر واطمأن الى موافقته وبدأ التخطيط للذهاب متخفيا إلى الحجاز.
وفي محطة الرحلة إلى ميدان الثورة تصف المذكرات الأماكن التي مر بها وتصف مرافقيه ويومياته الصعبة بلا طعام ولا أمن حتى الوصول إلى العقبة عند الأمير فيصل بن الحسين .
تقول الدكتورة أبو الشعر عن هذه المحطة ان العجلوني بين فيها حال الأمن وسطوة العشائر على الدولة اذ يقول" لحسن الحظ ان نفوذ الحكومة كان أخذ بالتدهور فكانت تتلاشى هيبتها بين القبائل بل أمسى رجال الإدارة يتملقون شيوخ البدو الذين اتصل بهم خبر قيام الثورة في الحجاز والتف حولي جمع من رجال القبيلة وهددوا خالد عليكو قائد الجندرمة بإطلاق الرصاص عليه وعلى جنوده اذا لم يبرح القرية حالا فعاد الى جرش".
وتضيف كان العجلوني يستقصي في طريقه أخبار الثورة وردود أفعال القبائل الأردنية وسمع ان الشيخ مفلح القمعان احد شيوخ بني صخر ذهب الى الجنوب وقابل فيصلا وان الشيوخ يقصدونه في مضاربه للتشاور معه ، مشيرة إلى ان هذه المعلومات لا تجدها في المصادر الرسمية والتي تتفوق كتب المذكرات والرحلات بتسجيلها.
تشير أبو الشعر إلى ان العجلوني سمع وهو بضيافة بيت بسيط في قرية ضانا من العجوز التي استضافتهم عن شيوخ الحويطات الذين يذهبون الى فيصل بن الحسين وعرف عن مساندة أبو تايه للأمير وتشير الى انه رغم بساطة هذه المعلومات لكنها كانت وسائل الإعلام المباشر للعجلوني .
وترصد المذكرات ان العجلوني سمع عندما نزل على قرية الشوبك همس احد الأشخاص في المجلس بأن مولود مخلص القائد العراقي نزل مع الشريف معين بوادي موسى وان أهالي قرية وادي موسى انحازوا إليهما وان الاتراك يسوقون الجنود بالقطارات الى معان وأنهم يحتشدون على الجبال بين وادي موسى وأراضي الشوبك ، وقد رأى العجلوني ورفيقه في السفر الطائرات الألمانية تقصف معسكر القائد مولود وكان هذا اليوم الثاني والثلاثين من رحلتهم من قرية المدور وهو بداية قصة العجلوني مع الثورة العربية الكبرى.
وتقول أبو الشعر ان بداية اتصال العجلوني برجال الثورة بمقابلته مولود مخلص وحديثه عن حوادث الثورة وعن العلم العربي الذي رفعته الثورة بالحجاز وأوصل مولود العجلوني مع فارسين الى موقع عين دلاغة وقائد حاميتها راسم سردست الدمشقي الذي أوصلهم الى الفرقة الاولى للمشاة في القويرة وقائدها رشيد المدفعي العراقي وبعد يومين وصل الى العقبة وقد تخلعت أظافره ونهشت جلده الحشرات لكنه نسي كل شي عندما قصد ديوان الامير فيصل في العقبة حيث قابله لأول مرة في حياته.
ومع محطة فيصل في العقبة تقول الدكتورة ابو الشعر ان العجلوني استذكر بداية تجربته مع الامير فيصل وأبدى رأيه بالقيادات التي قابلها في العقبة وتوقف عند الكولونيل لورانس ولم يتوقف العجلوني عند وصف الامير وكأنه يعرفه منذ دهر بل لفت انتباهه وجود رئيس الديوان المحامي فايز الغصين الذي يتقن ثلاث لغات ويرتدي اللباس العربي ويمشي حافيا برمال العقبة .
وتشير الى ان الامير أبدى تأثره الشديد من سرد العجلوني لقصة رحلته وسأله أسئلة ذكية عن المنطقة والأهالي ومعنويات الجيش التركي وفي المساء قابل العجلوني الأمير مجددا وطلب منه ان يستعيد رحلته وعقب عليه بقوله ، هذا يؤكد حيوية الأمة العربية وأنها جادة في كفاحها وعرض على العجلوني ان يعمل مرافقا عسكريا له فاعتذر وطلب منه إرساله للكتائب المسلحة في الميدان فكان له ذلك.
وتشير أبو الشعر الى ان العجلوني كشف عن القيادات العسكرية مع فيصل آنذاك وهم القائد العسكري جعفر العسكري والذي كان يتقن ست لغات غير لغته الأم (التركية والفرنسية والألمانية والإنجليزية والفارسية والكردية) ونوري السعيد أركان حرب القيادة وشاكر عبد الوهاب الشيخلي مدير شعبة الحركات وحمدي صدر الدين المشاور العدلي ويوسف عز الدين المرافق وداود الوتري من قلم القيادة وتم تعيينه مساعدا الشيخلي بشعبة الحركات .
ويكشف العجلوني عن الحاجة الى تعريب المصطلحات العسكرية من التركية وانه اضطلع بالمهمة ومعه اميل خوري .
تقول ابو الشعر ان العجلوني يستعيد بذكاء واقع حال الأسلحة والعتاد لدى جيش الشمال في معسكر العقبة ويسدي بذلك خدمة للباحثين اذ يقول بأنه وجد وفرة في المؤن عند تجوله على رصيف شاطىء العقبة والمستودعات ووجد الأسلحة بأنها خليط من البنادق المستعملة والجديدة وتعود الى ثلاثة مصادر انجليزية وتركية وألمانية ولاحظ ان العتاد بصناديق مغلقة وأنها ليست من نوع واحد في حين ان المدفعية مستعملة ومن طراز قديم وقليلة العدد.
وتضيف ان العجلوني بين مسألة على غاية من الأهمية وهي جهل الأغلبية بالحركة الصهيونية ولاحظ ان قدوم صبحي الخضرا الى العقبة وحديثه عن الخطر الصهيوني كان طارئا على الجميع ، وتشير الى ان هذه الملحوظة على جانب كبير من الأهمية فقد كانت ثقافة المرحلة لا تطرح الحركة الصهيونية والمشروع الصهيوني وكان العرب يعرفون اليهود من مواطنيهم في البلاد العربية في حين كان امتداد الهجرة اليهودية نحو فلسطين في ظل الدولة العثمانية لا توجد عليه إضاءة في البلاد العربية العثمانية .
تقول ان ذكريات العجلوني نجحت باستعادة الشخصيات التي تتابعت على العقبة من البلدان العربية للتطوع بجيش فيصل ومنهم من تطوع من العائدين من معتقلات الأسر في الهند ومصر ومنهم من جاء من جبل الدروز ومن حماة وطرابلس ودمشق مثل آل البكري الذين التحقوا بفيصل مبكرا وفخري البارودي وفايز العظم وسعد الدين العظم وقدم متطوعون من الناصرة وذكر من لبنان شخصيات وصفهم بكرام اللبنانيين ومنهم الدكتور معلوف والدكتور ثابت ثابت وسعيد عمون والشيخ فريد الخازن وحبيب الجاماتي وأميل يزبك وإميل خوري وذكر الامير عبد القادر الجزائري وأورد معلومة عامة عن الجنود النظاميين وهم من الثوار الذين كانوا مع فيصل في الحجاز ومنهم السوري والعراقي والحجازي واليماني تم إدماجهم بفرقة واحدة بقيادة الزعيم حسن وفيق الدمشقي الذي نجح بالهرب من بغداد والتحق بالثورة.
ولاحظ العجلوني ان تزايد اعداد المتطوعين ساعد الامير على تشكيل فرقتين من المشاة ولواء مدفعية ولواء فرسان ووحدات للنقل والهندسة والمخابرات ومفرزة الهجانة يتزعمها التخيمي الحجازي ومعه لورانس وسعيد عمون وفايز العظم وسعد الدين العظم مهمتهما تفجير محطات سكك الحديد بالديناميت.
وفي أثناء وجود العجلوني بالعقبة وصل الامير زيد والتحق بفيصل في حين كانت العقبة تزدحم بقبائل بادية الشام حيث تلتقي بالأمير فيصل وتستمع الى خطبه ويتم استقبالها بالترحاب وتعطى الإعاشة.
تقول ابو الشعر ان العجلوني صنف بطريقة ذكية الفئات الوافدة على فيصل من غير العسكريين ولاحظ اغراضهم في زمن الحرب وصعوبة التموين فقد كان الامير يكرمهم ولا يقصر بإمدادهم بالمؤن وفي المقابل فقد اشاد بالأغراض الوطنية والدوافع التي حركت غالبية القادمين للعقبة كما انه لم ينس الإشارة الى كرم الامير وتسامحه مع الأسرى من الاتراك .
وتضيف ان العجلوني أشار الى مسألة على جانب كبير من الأهمية من الناحية العسكرية فقد لاحظ ان البدوي لا يقبل الخنادق والالتجاء اليها وانه لا يحارب الا في الفضاء المكشوف وأنهم لذلك كانوا يتوقفون عن المشاركة في حال تحول الميدان من كَر وفر الى الكمون بالخنادق مما اضعف مجرى بعض المعارك التي كان من المفترض ان يشاركوا فيها.
وتقول ان الذكريات كشفت عن اثر خلافات بعض القادة العسكريين في جيش الشمال ومنها خلاف القائد الأردني علي خلقي مع القائد العام جعفر العسكري حيث ان قدوم خلقي من مصر ومعه الف متطوع مدرب اصطدم بوجود القائد جعفر العسكري وهو في الأصل اقل منه رتبة وأدى هذا الى ظهور نزعة مؤسفة بين العراقيين والجنود من أهل بلاد الشام وكان لابد من حل المسالة بإسناد مهمة اخرى لخلقي خارج حدود العقبة.
وتشير الى ان العجلوني اشاد بموقف عودة ابو تايه الثابت على ولائه رغم إغراءات الاتراك له بإعطائه إمارة الشراة وبمرتبة ضخمة ورده الجريء عليهم وهو كما تؤكد ابو الشعر وجدت مصداقية له في أعداد جريدة القبلة الحجازية.
وتوضح ان العجلوني وقف موقفا سلبيا من لورانس وتحدث عنه على حقيقته وهو ما كشفته مؤلفات اخرى وتشير الى ان القيادات العسكرية مع الأميرين فيصل وزيد كانت عربية من العراقيين وبلاد الشام كلها.
المعارك على مشارف الشام
..............................
وفي هذه المحطة تقول الدكتورة أبو الشعر ان العجلوني سرد ذكرياته العسكرية التي وردت بصورة أو بأخرى عند غيره من أصحاب المذكرات ممن شاركوا فيها وهم من العراقيين تحسين علي ونوري السعيد وجعفر العسكري.
وتضيف ان معلومات العجلوني عن معركة وادي موسى الثانية كانت مختصرة ومحددة تبين منها ان هجوما تركيا كبيرا شنته فصائل تركية على وادي موسى حيث حامية مولود مخلص بينها طابوران من البغالة وطابوران من المشاة ومدفعية الميدان ومعهم متطوعة من شراكسة عمان بزعامة ميرزا بيك ومعهم متصرف الكرك مع خيالة من قبائل الكرك و"الجندرمة" فانسحبت الحامية الى وادي سلع البتراء حتى المساء وساند أهالي وادي موسى الحامية وكروا على الاتراك وتولت عشيرة اللياثنة مطاردتهم مع خيالة القبائل القريبة من وادي موسى فانهزم المهاجمون وتركوا وراءهم الذخائر ومدافع الرشاش.
معركة جرف الدراويش
..................
تشير المذكرات الى انها محطة تحرسها قوة تركية تبلغ الف جندي هاجمتها قوة عربية مؤلفة من فوج مشاة ومدفعين وسرية رشاش وفصائل بدوية عددها الف محارب من الحويطات وبني صخر وقبائل الشراة يقودهم الشريف ناصر ونوري السعيد أركان حرب القيادة واستولت القوة على الغنائم الحربية من مدافع ورشاشات وساقت ما يزيد عن مائتي أسير بينهم ثلاثون ضابطا وما ان انتهت معركة جرف الدراويش حتى أعلن قائد حامية الطفيلة الرئيس زكي الحلبي انضمامه للثورة ومعه جنوده بأسلحتهم وعتادهم.
معركة الطفيلة
................
ترصد المذكرات انه بعد انضمام الرئيس زياد الحلبي للثورة بجنوده اتضح موقف الشيخ ذياب العوران المساند لفيصل ، ويؤكد العجلوني انه حضر معركة الطفيلة وكان فيصل عين الرئيس الحلبي حاكما على الطفيلة بعد دخول القيادة العربية اليها بمساعدة عشائر الحويطات والتوايهة.
ويضيف العجلوني ان هذا الانتصار السريع سبب هلعا عند الاتراك فأرسلوا الامير الآي أركان حرب حامد فخري "فاتح بوخارست" ومعه قوة منتخبة من الجنود المدربين والضباط مع الأسلحة الحديثة فتصدت لهم الحامية بقيادة راسم سردست وعند المساء أطبقت خيول العشائر على المهاجمين من الجهات الأربع وقتل حامد فخري ما نشر الفوضى بينهم وباتت الحامية العربية في البتراء تلك الليلة .
ويذكر العجلوني انه شاهد كهوفها مليئة بالمهاجرين الأرمن الذين نفاهم الاتراك وأنهم كانوا يقدمون الخدمات للعسكريين بكي ملابسهم وبيعهم البندورة المجففة وأبدى استغرابه من تجاور الأرمن مع البدول في كهوف البتراء ، واشار الى انهم كانوا يتفاهمون ببضع كلمات وان بيك باشا كان يعطف على البدول ويرسل اليهم الغذاء والكساء .
واستذكر دور الأرمن بخدمة الحسين بن علي في منفاه بقبرص عرفانا بجميله عليهم بحمايتهم ومحاولة نقلهم الى القاهرة على نفقته وقد حاولوا تقديم خدماتهم العسكرية للأمير فيصل تقديرا لمواقف الحسين بن علي منهم.
تقول ابو الشعر ان العجلوني يتوقف عند الغارة الفاشلة على محطة الفصوعة والتي جرت في ليلة عاصفة تخللها الثلج والمطر فتجمدت النياق التي تنقل العتاد وكاد الجنود يموتون بردا وكانت القيادة لجعفر العسكري واكدت هذه الحملة الفاشلة ضرورة التهيئة للمعركة الفاصلة بمعان .
وتقول ابو الشعر ان المذكرات ترصد أخبار المعارك السابقة على معان ومعركة معان وفيها غدير الحج ومعركة الجردونة الاولى ومعركة سمنة والغارة على معان ومعركتي الجردونة الثانية والثالثة ومحطة المدورة وكلها مادة عسكرية لا يمكن تناولها بعيدا عما أوردته كتب المذكرات الاخرى مثل تحسين علي الذي تناولها بشكل مقارب للعجلوني .
وتؤكد انه لا يمكن للقارىء الا ان يشعر بالحزن وهو يقرأ ما أورده العجلوني من حوادث لاتنسى مزروعة بذاكرته التي استعادها ومنها ما حدث في معركة الجردونة الثالثة من ان الرئيس زكي الشطي الدمشقي احد قواد السرايا المشاة جرح فحمله زميله الملازم هاشم الدزدار على كتفيه وهرول به سريعا ليخرجه من دوامة المعركة ولكن قنبلة مرت كالبرق فخطفت رأس هاشم الدزدار وتركي زكي الشطي محمولا على جثة بلا رأس عدة ثوان ثم سقط الجريح والجثة معا وقد أسر زكي الشطي وقرر الاتراك إعدامه بعد شفائه لكن وصول جيش الامير فيصل بن الحسين ودخوله الى دمشق كان المنقذ له ولدمشق عاصمة بني أمية .
العجلوني جريحا ويعالج بالقاهرة
..............................
أصيب العجلوني في معركة الجردونة الثالثة برصاصة اخترقت فكه وأطاحت بأسنانه وفتتها بحلقة وأدت الى نقله لإجراء عمليات جراحية صعبة في المستشفى الفرنسي بالقاهرة .
ونقل العجلوني في مذكراته ردود فعل العسكريين المصريين على جنود الجيش العربي في القاهرة وتهكمهم عليهم لأنهم يساندون الاتراك .
وتقول ابو الشعر ان العجلوني بعد تماثله للشفاء عاد الى موقعه العسكري ورافق جيش فيصل بن الحسين دخول دمشق وشهد نهاية الحكم العثماني في بلاد الشام .
--(بترا)
هـ ح/س ط
17/5/2016 - 04:18 م